جوانب من سيرته عليه السلام
إلا أنا نكتفي هنا بجانب من سيرته - عليه السلام - تتعلق بجملة محددة من
الأمور :
1 - هيبته ومنزلته العظيمة :
لقد كان - عليه السلام - مهابا جليلا بين الناس بشكل كبير ، حتى أن هذه المنزلة
العظيمة جعلت الامراء والحكام يحسدونه عليها ، والتاريخ يذكر لنا على ذلك شواهد
كثيرة ومتعددة ، ومن ذلك :
لما حج هشام بن عبد الملك قبل أن يلي الخلافة اجتهد أن يستلم الحجر الأسود فلم
يمكنه ذلك ، وجاء علي بن الحسين - عليهما السلام - فتوقف له الناس ، وتنحوا حتى
استلم ، فقال جماعة لهشام : من هذا ؟ فقال : لا أعرفه ( مع أنه كان يعرفه أنه علي بن
الحسين - عليه السلام - ) فسمعه الفرزدق ، فقال : لكني أعرفه ، هذا علي بن الحسين زين
العابدين ، وأنشد هشاما قصيدته التي منها هذه الأبيات :
هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم * هذا التقي النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضي حياء ويغضى من مهابته * فما يكلم إلا حين يبتسم
إذا رأته قريش قال قائلها * إلى مكارم هذا ينتهي الكرم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم * أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله * بجده أنبياء الله قد ختموا
وليس قولك من هذا بضائره * العرب تعرف من أنكرت والعجم
إلى آخر القصيدة التي حفظتها الأمة وشطرها جماعة من الشعراء . وقد ثقل ذلك على هشام
فأمر بحبسه ، فحبسوه بين مكة والمدينة ، فقال معترضا على عمل هشام :
أيحبسني بين المدينة والتي * إليها قلوب الناس يهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد * وعينا له حولاء باد عيوبها
فأخرجه من الحبس فوجه إليه علي بن الحسين - عليهما السلام - عشرة آلاف درهم وقال :
اعذرنا يا أبا فراس ، فلو كان عندنا في هذا الوقت أكثر من هذا لوصلناك به فردها
الفرزدق وقال : ما قلت ما كان إلا لله ، فقال له علي - عليه السلام - قد رأى الله
مكانك فشكرك ، ولكنا أهل بيت إذا أنفذنا شيئا لم نرجع فيه وأقسم عليه فقبلها .
2 - زهده وعبادته ومواساته للفقراء :
أما زهده وعبادته ومواساته للفقراء ، وخوفه من الله فغني عن البيان . فقد روي عنه -
عليه السلام - أنه إذا توضأ اصفر لونه ، فيقال : ما هذا الذي يعتادك عند الوضوء ؟
قال : أتدرون بين يدي من أريد أن أقف .
ومن كلماته - عليه السلام - أن قوما عبدوا الله رياضة فتلك عبادة العبيد ، وأن
قوما عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار ، وأن قوما عبدوه شكرا فتلك عبادة الأحرار .
وكان إذا أتاه سائل يقول له : مرحبا بمن يحمل زادي إلى الآخرة .
وكان - عليه السلام - كثير الصدقات حريصا عليها ، وكان يوصل صدقاته ليلا دون أن
يعلم به أحد ، وقد روي أنه - عليه اللام - كان يعول مائة عائلة من أهالي المدينة لا
يدرون من يأتيهم بالصدقات ، ولما توفي - عليه السلام - أدركوا ذلك .
وفي رواية : أنه - عليه السلام - كان يحمل جراب الخبز على ظهره بالليل فيتصدق به
ويقول : صدقة السر تطفئ غضب الرب .
وفي رواية كان أهل المدينة يقولون : ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين -
عليه السلام - ( 1 ) .
هامش
( 1 ) تذكرة الخواص 294 .