الحديث الحادي والثمانون
عن إدريس بن هشام قال : كنت أغدو إلى جامع الكوفة . . . وذلك بعد مضيّ
أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فإذا أنا برجل قائم يصلّي إلى أُسطوانة في الجامع وهو يبكي
ويتضرّع ويقول : مشهوراً في السماء ، مشهوراً في الأرض ، جهد الخلائق في إطفاء
نورك وإخمال ذكرك ، فأبى الله لنورك إلاّ ضياءً ، ولذكرك إلاّ علوّاً !
فدنوت منه وقلت : من أنت ؟ ومن هذا الذي تصفه بهذا الوصف ؟ فقال : أمّا أنا
فعبد الله ، وأمّا من أصفه فعليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) .
قلت : إنّ الذي تصفه لعظيم ، فأيّ شيء دليله عندك ؟ وما الذي دعاك أن تقول فيه
هذا القول ؟
فقال : ما أُبالي ما طرقني بعده من طوارق الدهر وحوادثه إذ كان لا مندوحة عنه
ولا عوض منه . فقلت له : أخبرني بما عندك لأعلمه . فقال : أوَ يغيضُك ذلك أو
يرضيك ؟ فقلت : بل يرضيني ، فقال : إنّي محدّثك فكن بأيّ حال شئت :
اعلم أنّي رجل من أهل الدسكرة ، وأنّي كنت يهوديّاً أحمل من الدسكرة طعاماً
وأبيعه بالكوفة ، وأنّي حملت في بعض الأيّام طعاماً فلمّا صرت بالنخيلة من الكوفة
ليلا هبّت ريحٌ عظيمة ، فجلست موضعي لتزول الريح وأسير إلى الكوفة ، فبقيت على
ذلك حتّى هدأت الريح ، فقمت أطلب دوابّي فلم أقف لها على أثر ، فأيقنت أنّها قد
اختلست ، فأقبلت حتّى دخلت الكوفة ليلا ، وكنت قد قرأت في التوراة : أنّه يكون
لمحمّد ( عليه السلام ) ابن عمّ يسمّى عليّاً وأَنه ينزل الكوفة ويردّ الضالّة ، فقلت : والله لأقصدنّ
الجامع ، فإن يكن هناك ، أستغيث به .
فأتيت الجامع فوجدته في هذا الموضع قائماً يصلّي ، فقلت في نفسي : كيف
أُخرجه من صلاته ؟ فلمّا فرغ وبصر بي قال : " ما شأنك يا أخا اليهود ؟ هلك طعامك
ودوابّك ؟ " قلت : نعم يا سيّدي ، فقال : " في النخيلة ؟ " قلت : نعم ، قال : " امضِ "
العقد النضيد والدر الفريد — صفحة 97
مساهمون: محمد بن الحسن القمي
ص٩٧