قضاء القضاة بحضرة ملكه فلم يقض له ذلك وتوفي ببلبيس وهو متوجه إليها . ولما ولي قضاء حلب قصدته الشعراء من دمشق وسواها . وكان فيمن قصده شاعر الشام شهاب الدين أبو بكر محمد بن الشيخ المحدث شمس الدين أبي عبد الله محمد بن نباتة القرشي الأموي فامتدحه الفارقي بقصيدة طويلة حافلة أولها :
أسفت لفقدك جلق الفيحاء * وتباشرت لقدومك الشهباء
وعلى دمشق وقد رحلت كآبةٌ * وعلا ربى حلب سناً وسناء
قد أشرقت دارٌ سكنت فناءها * حتى غدت ولنورها لألاء
يا سائراً سقي المكارم والعلى * ممن يبخل عنده الكرماء
قاضي القضاة أجل من أيامه * تعنى بها الأيتام والفقراء
قاض زكا أصلاً وفرعاً فاعتلى * شرفت به الأدباء والأبناء
من الإله على بني حلبٍ به * لله وضع الفضل حيث يشاء
كشف المعمى فهمه وبيانه * فكأنما ذاك الذكاء ذكاء
يا حاكم الحكام قدرك سابقٌ * عن أن تسرك رتبةٌ شماء
إن المناصب دون همتك التي * في الفضل دون محلها الجوزاء
لك في العلوم فضائلٌ مشهورةٌ * كالصبح شق له الظلام ضياء
ومناقبٌ شهد العدو بفضلها * والفضل ما شهدت به الأعداء
وهي أزيد من خمسين بيتاً . وأجازه عليها بكسوةٍ ودراهم . وانتقد الشعراء ابتداءه بلفظ أسفت . قال ابن جزي : وليس كلامه في هذه القصيدة بذاك وهو في المقطعات أجود منه في القصائد وإليه انتهت الرياسة في الشعر على هذا العهد في جميع بلاد المشرق . وهو من ذرية الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته منشئ
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 68
مساهمون: ابن بطوطة
ص٦٨