وقلعة حلب تسمى الشهباء . بداخلها جبلان ينبع منهما الماء فلا تخاف الظمأ ويطيف بها سوران . وعليها خندق عظيم ينبع منه الماء . وسورها متداني الأبراج وقد انتظمت بها العلالي العجيبة المفتحة الطيقان . وكل برج منها مسكون . والطعام لا يتغير بهذه القلعة على طول العهد . وبها مشهد يقصده بعض الناس يقال : إن الخليل عليه السلام كان يتعبد به .
وهذه القلعة تشبه قلعة رحبة مالك بن طوق التي على الفرات بين الشام والعراق . ولما قصد قازان طاغية التتر مدينة حلب حاصر هذه القلعة أياماً ونكص عنها خائباً قال ابن جزي : وفي هذه القلعة يقول الخالدي شاعر سيف الدولة :
وخرقاء قد قامت على من يرومها * بمرقبها العالي وجانبها الصعب
يجر عليها الجو جيب غمامةً * ويلبسها عقداً بأنجمه الشهب
إذا ما سرى برقٌ بدت من خلاله * كما لاحت العذراء من خلل السحب
فكم من جنودٍ قد أماتت بغصةٍ * وذي سطوات قد أبانت على عقب
وفيها يقول أيضاً وهو من بديع النظم :
لا تعرف القطر إذ كان الغمام لها * أرضاً توطأ قطريه مواشيها
إذا الغمامة راحت غاض ساكنها * حياضها قبل أن تهمي عواليها
يعد من أنجم الأفلاك مرقبها * لو أنه كان يجري في مجاريها
ردت مكايد أقوامٍ مكايدها * ونصرت لدواهيهم دواهيها
وفيها يقول جمال الدين علي ابن أبي منصور :
كادت لبون سموها وعلوها * تستوقف الفلك المحيط الدائرا
وردت قواطنها المجرة منهلاً * ورعت سوابقها النجوم زواهرا
ويظل صرف الدهر منها خائفاً * وجلاً فيما يمسي لديها حاضرا
ويقال : في مدينة حلب حلب إبراهيم لأن الخليل صلوات الله وسلامه
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار ) — صفحة 65
مساهمون: ابن بطوطة
ص٦٥