فكانت الدوائر السياسية تتورط في قراراتها المرتجلة المتسرعة ، وتتزاحم للحصول على أولويات القرار الذي يعطي الشرعية السياسية لهذا الوجود أو ذاك ، وكانت الشرعية الحقيقية تنحسر امتداداتها في غمار هذه اللُعبة السياسية أو تلك المجازفة المرتجلة ، والانفعالات السلطوية متشنجة إلى حد تتخبط في قراراتها الساذجة ، فكتلة تُستبعد وأخرى تُقدّم ، وهكذا لم تستقر الحالة العامة حتى انكشفت عن ائتلاف سياسي مبرمج أطاح بكل ثوابت الأمة وأخلاقياتها ، وتظافرت قوى سياسية غير متكافئة فكرياً من أجل الإطاحة بالشرعية الإلهية التي تسالمت عليها الفرق المتناحرة قديماً والمؤتلفة فيما بعد .
هكذا كانت قصيدة الشريف ، حكاية للتاريخ الذي أودى بالثوابت الشرعية وخلاصة لمجريات حدث يتضخم يوماً بعد آخر ليُدخل في حوزته سلسلة الاحداث لتُحال إلى تهميشات المتحفظين من ذوي التحرج السياسي ، فتجعلها ركامات قصصية لأبواب تشريفية يفتتحها المؤرخ تقليداً أو يختتمها بوصاياه المحتشمة في التعرض للسلف الصالح ، فتبريرات جاهزة تقدَّم على طاولات الاعتذار فان ، الذي أخطأ له أجرٌ والذي أصاب له أجران ، هكذا تُمحق الحقائق وتُزبرج الهالات القدسية المفتعلة الممنوحة إلى الوجودات المصونة التي لا يحق لأحد مناقشة تاريخ تحركاتها المضطربة ، فالنقاش فيها خرق لثوابت التعظيم التي أضفته ظروف سياسية مفتعلة ، والنزاع فيها تضعيف لوحدة الأمة ، وهكذا تجابه الجهود التحقيقية في مثل هذه القضايا الهامة من تاريخ الأمة وتقزّم الاحداث الإسلامية الكبرى على أنها حالات طارئة حدثت ثم انتهت فلا حاجة اذن في إعادة قرائتها ،
موسوعة أدب المحنة أو شعراء المحسن بن علي ( ع ) — صفحة 104
مساهمون: السيد محمد علي الحلو
ص١٠٤