وقد أكد كون هذه الأسماء ليس وراءها مسميات بقوله :
« أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ »
فإنه في معنى الحصر أي لم يضع هذه الأسامي أحد غيركم بل أنتم وآباؤكم وضعتموها ، ثم أكده ثانيا بقوله :
« ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
والسلطان هو البرهان لتسلطه على العقول أي ما أنزل اللّه بهذه الأسماء أو بهذه التسمية من برهان يدل على أن لها مسميات وراءها ، وحينئذ كان يثبت لها الألوهية أي المعبودية فصحت عبادتكم لها .
ومن الجائز أن يكون ضمير
« بِها »
عائدا إلى العبادة أي ما أنزل اللّه حجة على عبادتها بأن يثبت لها شفاعة واستقلالا في التأثير حتى تصح عبادتها والتوجه إليها فإن الأمر إلى اللّه على كل حال . واليه أشار بقوله بعده :
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »
.
وهو أعني قوله :
إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ
مما لا ريب فيه البتة إذ الحكم في أمر ما لا يستقيم إلّا ممن يملك تمام التصرف ، ولا مالك للتصرف والتدبير في أمور العالم وتربية العباد حقيقة إلّا اللّه سبحانه فلا حكم بحقيقة المعنى إلّا له .
وهو أعنى قوله :
« إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ »
مفيد فيما قبله وما بعده صالح لتعليلهما معا ، أما فائدته في قوله قبل :
« ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
فقد ظهرت آنفا ، وأما فائدته في قوله بعد :
« أمر أن لا تعبدوا إلّا إياه » فلأنه متضمن لجانب إثبات الحكم كما أن قوله قبل :
« ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
متضمن لجانب السلب ، وحكمه تعالى نافذ في الجانبين معا فكأنه لما قيل
« ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ »
قيل « فما ذا حكم به في أمر العبادة » فقيل « أمر أن لا تعبدوا إلّا إياه » ولذلك جيء بالفعل .
ومعنى الآية - واللّه أعلم - ما تعبدون من دون اللّه إلّا أسماء خالية عن المسميات لم يضعها إلّا أنتم وآباؤكم من غير أن ينزل اللّه سبحانه من عنده برهانا يدل على أن لها شفاعة عند اللّه أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتى يصح لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها ، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرها .