ذي قرار .
وانه ليفخر بما أوتي من النعماء على غيره ، ولا فخر إلّا بكرامة أو منقبة يملكها الإنسان فهو يرى ما عنده من النعمة أمرا بيده زمامه ليس لغيره أن يسلبه وينزعه منه ويعيد اليه ما ذهب عنه من السيئات ولذلك يفخر ويكثر من الفخر .
قوله تعالى :
إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ
ذكر سبحانه ما الإنسان مطبوع عليه عند الشدة والبلاء من اليأس والكفر وعند الرخاء والنعماء من الفرح والفخر ، ومغزى الكلام أنه مخلوق كليل البصر قصير النظر إنما يرى ما يجده في حاله الحاضرة ، ويذهل عما دون ذلك فإن زالت عنه نعمه لم ير لها عودة وأنها كانت من عند اللّه سبحانه ، وله تعالى ان يعيدها اليه إن شاء حتى يصبر على بلائه ويتعلق قلبه به بالرجاء والمسألة ، وإن عادت اليه نعمة بعد زوالها رأى أنه يملكها ففرح وفخر ولم ير للّه تعالى صنعا في ذلك حتى يشكره عليها ويكف عن الفرح وعن التطاول على غيره بالفخر .
استثنى سبحانه طائفة من الإنسان ووصفهم بقوله :
« الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ »
ثم وعدهم وعدا حسنا بقوله :
« أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ »
وذلك أن التخلص من هذا الطبع المذموم إنما يتمشى من الصابرين الذين يصبرون عند الضرّاء فلا يحملهم الجزع على اليأس والكفر ، ويعملون الصالحات من الشكر بثنائه تعالى على ما كشف الضرّاء وأعقب بالنعماء وصرف نعمه في ما يرضيه ويريح خلقه فلا يحملهم الاستغناء على الفرح والفخر .
وهؤلاء هم المتخلصون الناجون يغفر لهم ربهم بإمحاء آثار ذلك الطبع المذموم ووضع الخصال المحمودة موضعه ولهم عند ربهم مغفرة وأجر كبير .
وفي الآية دلالة على أن الصبر مع العمل الصالح لا ينفك عن الإيمان فإنها تعد هؤلاء الصابرين مغفرة وأجرا كبيرا ، والمغفرة لا تنال المشركين ، قال تعالى :
إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ
( النساء / 116 ) .