تشعر بحيوية الموقف وواقعيته ، انها كانت فئة قليلة صابرة ، آمنت
بالله ، لم تر الموت الا سعادة ، والحياة مع الظالمين إلا برما ، أمام فئة
كثيرة ، تسلحت بالشرك والعصيان والسجود لدنانير ودراهم أضحت
عليهم حمم جحيم في الدنيا قبل الآخرة .
فلا تلكم الفئة القليلة المؤمنة انخذلت وتداعت بوجود كل
المغريات ، ورغم الرابطة والنسب الموجودين آنذاك بين طرفي
النزال ، بل كانت تزداد طمأنينة ساعة بعد ساعة ، سيما وهي تشاطر
رائد الثائرين - على مر التاريخ - ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله موقفه
وخذلان الناس له ، فكان الواحد تلو الاخر من صحبه الأبرار يفصح
عن استعداده أنه لو يقتل ويحرق ويذرى في الهواء ويفعل ذلك به
مرارا لم يترك امامه وحيدا ، فهو كمن يشاهد جنات النعيم مفتحة
بمصاريعها فليس له هم سوى أن يدخلها قبل الآخرين لينعم بكأس
من سلسبيلها ، أو يحظى بجواريها ( 1 ) .
ولا هذه الفئة الكثيرة الكافرة استطاعت أن تتغلب على
شهواتها ، وأن تميل مع الحق لشدة مرارته ، وقلة ناصريه ، إضافة
هامش
( 1 ) قيل لرجل شهد يوم الطف مع عمر بن سعد : ويحكم أقتلتم ذرية
رسول الله صلى الله عليه وآله ؟
فقال : عضضت بالجندل أنك لو شهدت ما شهدنا لفعلت ما فعلنا ، ثارت
علينا عصابة أيديها ف مقابض سيوفها كلا اسود الضارية تحطم الفرسان يمينا
وشمالا ، وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان ، ولا ترغب في المال ، ولا
يحول حائل بينها وبين الورود على حياض الميتة أو الاستيلاء على الملك ، فلو
كففنا عنها رويدا لاتت على العسكر بكامله ، فما كنا فاعلين لا أم لك .