وهل يجوز أن يخطب واحد ، ويصلي آخر ، فيه عن أحمد روايتان . قوله [ عز وجل ] :
( ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) أي : إن كان لكم علم بالأصلح ( فإذا قضيت الصلاة ) أي :
فرغتم منها ( فانتشروا في الأرض ) هذا أمر إباحة ( وابتغوا من فضل الله ) إباحة لطلب الرزق
بالتجارة بعد المنع منها بقوله تعالى : ( وذروا البيع ) وقال الحسن ، وسعيد بن جبير : هو
طلب العلم .
وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن
التجارة والله خير الرازقين ( 11 )
قوله [ عز وجل ] : ( وإذا رأوا تجارة ) سبب نزولها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب يوم
الجمعة ، إذ أقبلت عير قد قدمت ، فخرجوا إليها حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه
الآية ، أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث جابر بن عبد الله ، قاله الحسن :
وذلك أنهم أصابهم جوع ، وغلاء سعر ، فلما سمعوا بها خرجوا إليها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لو
اتبع آخرهم أولهم التهب عليهم الوادي نارا " . قال المفسرون : كان الذي قدم بالتجارة دحية بن
خليفة الكلبي " قال مقاتل : وذلك قبل أن يسلم . قالوا : قدم بها من الشام ، وضرب لها طبل يؤذن
الناس بقدومها . وهذه كانت عادتهم إذا قدمت عير . قال جابر بن عبد الله : كانت التجارة طعاما .
وقال أبو مالك : كانت زيتا . والمراد باللهو : ضرب الطبل . و ( انفضوا ) بمعنى : تفرقوا عنك ،
فذهبوا إليها . والضمير للتجارة . وإنما خصت برد الضمير إليها ، لأنها كانت أهم إليهم ، هذا قول
الفراء ، والمبرد . وقال الزجاج : المعنى : وإذا رأوا تجارة انفضوا إليها ، أو لهوا انفضوا إليه ،
فحذف خبر أحدهما ، لأن الخبر الثاني يدل على الخبر المحذوف . وقرأ ابن مسعود ، وابن أبي
عبلة " انفضوا إليهما " على التثنية . وعن ابن مسعود ، وابن أبي عبلة " انفضوا إليه " على ضمير
مذكر ( وتركوك قائما ) وهذا القيام كان في الخطبة ( قل ما عند الله ) من ثواب الصلاة والثبات مع
رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ( خير من اللهو ومن التجارة خير الرازقين ) لأنه يرزق من يؤمن به
ويعبده ، ومن يكفر به ويجحده ، فهو يعطي من سأل ، ويبتدئ من لا يسأل ، وغيره إنما يرزق من
يرجو منفعته ، ويقبل على خدمته .