ليعبدني . وقال الضحاك . والفراء . وابن قتيبة : هذا خاص لأهل طاعته ، وهذا اختيار القاضي أبي
يعلى فإنه قال : معنى هذا الخصوص لا العموم ، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت
الخطاب وإن كانوا من الإنس ، فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله : ( ولقد ذرأنا لجهنم
كثيرا من الجن والإنس ) ، فمن خلق للشقاء ولجهنم ، لم يخلق للعبادة .
والرابع : إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا ، ومعنى العبادة في اللغة : الذل والانقياد . وكل الخلق
خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل ، يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل ، هذا مذهب جماعة من أهل
المعاني .
قوله تعالى : ( ما أريد منهم من رزق ) أي : ما أريد أن يرزقوا أنفسهم ( وما أريد أن
يطعمون ) أي أن يطعموا أحدا من خلقي ، لأني أنا الرزاق . وإنما أسند الإطعام إلى نفسه ، لأن الخلق
عيال الله ، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه . وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه
قال : " يقول الله عز وجل يوم القيامة . يا ابن آدم : استطعمتك فلم تطعمني " ، أي : لم تطعم
عبدي .
فأما ( الرزاق ) فقرأ الضحاك ، وابن محيصن : " الرازق " بوزن " العالم " . قال الخطابي : هو
المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها من قوتها . ( والمتين ) الشديد القوة الذي لا تنقطع
قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة . وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ : " المتين " بكسر النون . وكذا
قرأ أبو رزين ، وقتادة ، وأبو العالية ، والأعمش . قال الزجاج : ( ذو القوة المتين ) أي : ذو الاقتدار
الشديد ، ومن رفع " المتين " فهو صفة الله عز وجل ، ومن خفضه جعله صفة للقوة ، لأن تأنيث القوة
كتأنيث الموعظة ، فهو كقوله : ( فمن جاءه موعظة من ربه ) .
قوله تعالى : ( فإن للذين ظلموا ) يعني مشركي مكة ( ذنوبا ) أي : نصيبا من العذاب ( مثل
ذنوب أصحابهم ) الذين أهلكوا ، كقوم نوح وعاد وثمود . قال الفراء : الذنوب في كلام العرب :
الدلو العظيمة ، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ ، قال الشاعر :
لنا ذنوب ولكم ذنوب * فإن أبيتم فلنا القليب
والذنوب ، يذكر ويؤنث . وقال ابن قتيبة ، أصل الذنوب : الدلو العظيمة ، وكانوا يستقون ،
فيكون لكل واحد ذنوب ، فجعل " الذنوب " مكان " الحظ والنصيب " .
قوله تعالى : ( فلا يستعجلون ) أي : بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة ، وهو يومهم الذي
يوعدون ، ويقال : هو يوم بدر .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 214
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢١٤