سبق بيان الأنعام ، وذكرنا معنى " العبرة " في آل عمران والفرق بين " سقى " و " أسقى " في الحجر .
فأما قوله : ( مما في بطونه ) فقال الفراء : النعم والأنعام شئ واحد ، وهما جمعان ، فرجع
التذكير إلى معنى " النعم " إذ كان يؤدي عن الأنعام ، أنشدني بعضهم .
وطاب ألبان اللقاح وبرد
فرجع إلى اللبن ، لأن اللبن والألبان في معنى ، قال : وقال الكسائي : أراد : نسقيكم مما في
بطون ما ذكرنا ، وهو صواب ، أنشدني بعضهم :
مثل الفراخ نتفت حواصله
وقال المبرد : هذا فاش في القرآن ، كقوله للشمس : ( هذا ربي ) يعني : هذا الشئ
الطالع ، وكذلك ( وإني مرسلة إليهم بهدية ) ثم قال : ( فلما جاء سليمان ) ولم يقل : " جاءت "
لأن المعنى : جاء الشئ الذي ذكرنا ، وقال أبو عبيدة : الهاء في " بطونه " للبعض ، والمعنى :
نسقيكم مما في بطون البعض الذي له لبن ، لأنه ليس لكل الأنعام لبن ، وقال ابن قتيبة : ذهب
بقوله : " مما في بطونه " إلى النعم ، والنعم تذكر وتؤنث ، والفرث : ما في الكرش ، والمعنى : أن
اللبن كان طعاما ، فخلص من ذلك الطعام دم ، وبقي فرث في الكرش ، وخلص من ذلك الدم ( لبنا
خالصا سائغا للشاربين ) أي : سهلا في الشرب لا يشجى به شاربه ، ولا يغص . وقال بعضهم :
سائغا ، أي : لا تعافه النفس وإن كان قد خرج من بين فرث ودم ، وروى أبو صالح عن ابن عباس
قال : إذا استقر العلف في الكرش طحنه فصار أسفله فرثا ، وأعلاه دما ، وأوسطه لبنا ، والكبد
مسلطة على هذه الأصناف الثلاثة ، فيجري الدم في العروق ، واللبن في الضرع ، ويبقى الفرث في
الكرش .
قوله تعالى : ( ومن ثمرات النخيل والأعناب ) تقدير الكلام : ولكم من ثمرات النخيل
والأعناب ما تتخذون منه سكرا . والعرب تضمر " ما " كقوله : ( وإذا رأيت ثم ) أي : ما ثم .
والكناية في " منه " عائدة على " ما " المضمرة . وقال الأخفش : إنما لم يقل : منهما ، لأنه أضمر
الشئ ، كأنه قال : ومنها شئ تتخذون منه سكرا . وفي المراد بالسكر ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه الخمر ، قاله ابن مسعود ، وابن عمر ، والحسن ، وسعيد بن جبير ، ومجاهد ،
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 338
مساهمون: ابن الجوزي
ص٣٣٨