قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون ( 48 )
قوله تعالى ( وقال الذي نجا منهما ) يعني الذي تخلص من القتل من الفتيين ، وهو
الساقي ، ( وادكر ) أي : تذكر شأن يوسف وما وصاه به . قال الزجاج : وأصل ادكر : ادتكر ،
ولكن التاء أبدلت منها الدال ، وأدغمت الذال في الدال . وقرأ الحسن : " وادكر " بالدال
المشددة . وقوله تعالى : ( بعد أمة ) أي : بعد حين ، وهو الزمان الذي لبثه يوسف بعده في
السجن ، وقد سبق بيانه . وقرأ ابن عباس ، والحسن " بعد أمة " أراد : بعد نسيان .
فإن قيل : هذا يدل على أن الناسي في قوله : " فأنساه الشيطان ذكر ربه " هو الساقي ، ولا
شك أن من قال : إن الناسي يوسف يقول : لم ينس الساقي .
فالجواب : أن من قال : إن يوسف نسي ، يقول : معنى قوله : " وادكر " ذكر ، كما تقول
العرب : احتلب بمعنى حلب ، واغتدى بمعنى غدا ، فلا يدل إذا على نسيان سبقه . وقد روى أبو
صالح عن ابن عباس أنه قال : إنما لم يذكر الساقي خبر يوسف للملك حتى احتاج الملك إلى
تأويل رؤياه ، خوفا من أن يكون ذكره ليوسف سببا لذكره الذنب الذي من أجله حبس ، ذكر هذا
الجواب ابن الأنباري .
قوله تعالى : ( أنا أنبئكم بتأويله ) أي : من جهة يوسف ( فأرسلون ) أثبت الياء فيها وفي
( ولا تقربون ) ( أن تفندون ) يعقوب في الحالين ، فخاطب الملك وحده بخطاب الجميع ،
تعظيما ، وقيل : خاطبه وخاطب أتباعه . وفي الكلام اختصار ، المعنى : فأرسلوه فأتى يوسف
فقال : يا يوسف يا أيها الصديق . والصديق : الكثير الصدق ، كما يقال : فسيق ، وسكير ، وقد
سبق بيانه .
قوله تعالى : ( لعلي أرجع إلى الناس ) يعني الملك وأصحابه والعلماء الذين جمعهم لتعبير
رؤياه . وفي قوله : ( لعلهم يعلمون ) قولان :
أحدهما : يعلمون تأويل رؤيا الملك .
والثاني : يعلمون بمكانك فيكون سبب خلاصك . وذكر ابن الأنباري في تكرير " لعلي "
قولين .
أحدهما : أن " لعل " الأولى متعلقة بالإفتاء ،
والثانية : مبنية على الرجوع ، وكلتاهما بمعنى " كي " .
والثاني : أن الأولى بمعنى " عسى " ، والثانية بمعنى " كي " فأعيدت لاختلاف المعنيين ،