كيد ، فقالت سابقة بالقول مبرئة لنفسها من الأمر ( ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ) قال ابن عباس :
تريد الزنى ( إلا أن يسجن ) أي : ما جزاؤه إلا السجن ( أو عذاب أليم ) تعني الضرب
بالسياط ، فغضب يوسف حينئذ وقال : ( هي راودتني عن نفسي ) * وقال وهب بن منبه : قال له العزيز
حينئذ : أخنتني يا يوسف في أهلي ، وغدرت بي ، وغررتني بما كنت أرى من صلاحك ! فقال حينئذ :
( هي راودتني عن نفسي ) .
قوله تعالى : ( وشهد شاهد من أهلها ) وذلك أنه لما تعارض قولاهما ، احتاجا إلى شاهد
يعلم به قول الصادق .
وفي ذلك الشاهد ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه كان صبيا في المهد ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وشهر بن حوشب عن أبي
هريرة ، وبه قال سعيد بن جبير ، والضحاك ، وهلال بن يساف في آخرين .
والثاني : [ أنه كان من خاصة الملك . رواه ابن مليكة عن ابن عباس ] وقال أبو صالح عن ابن
عباس : كان ابن عم لها ، وكان رجلا حكيما ، فقال : قد سمعنا الاشتداد والجلبة من وراء الباب ، فإن كان
شق القميص من قدامه فأنت صادقة وهو كاذب ، وإن كان من خلفه فهو صادق وأنت كاذبة ، وقال بعضهم :
كان ابن خالة المرأة .
والثالث : أنه شق القميص ، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد ، وفيه ضعف ، لقوله : " من
أهلها " .
فإن قيل : كيف وقعت شهادة الشاهد ها هنا معلقة بشرط ، والشارط غير عالم بما يشرطه ؟
فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري .
أحدهما : أن الشاهد شاهد بأمر قد علمه ، فكأنه سمع بعض كلام يوسف وأزليخا ، فعلم ،
غير أنه أوقع في شهادته شرطا ليلزم المخاطبين قبول شهادته من جهة العقل والتمييز ، فكأنه قال :
هو الصادق عندي ، فإن تدبرتم ما أشترطه لكم ، عقلتم قولي ، ومثل هذا قول الحكماء : إن كان
القدر حقا ، فالحرص باطل ، وإن كان الموت يقينا ، فالطمأنينة إلى الدنيا حمق .
والجواب الثاني أن الشاهد لم يقطع بالقول ، ولم يعلم حقيقة ما جرى ، وإنما قال ما قال
على جهة إظهار ما يسنح له من الرأي ، فكأن معنى قوله : " وشهد شاهد " : أعلم وبين . فقال :
الذي عندي من الرأي أن نقيس القميص ليوقف على الخائن . فهذان الجوابان يدلان على أن
المتكلم رجل . فإن قلنا : إنه صبي في المهد ، كان دخول الشرط مصححا لبراءة يوسف ، لأن
كلام مثله أعجوبة ومعجزة لا يبقى معها شك .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 163
مساهمون: ابن الجوزي
ص١٦٣