قوله تعالى : ( من أجل ذلك ) قال الضحاك : من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلما ، وقال أبو
عبيدة : من جناية ذلك ، ومن جري ذلك . قال الشاعر :
وأهل خباء صالح ذات بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله
أي : جانيه وجار عليهم . وقال قوم : الكلام متعلق بما قبله ، والمعنى : فأصبح من النادمين من
أجل ذلك . فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا ، وعلى الأول لا يحسن الوقف . والأول أصح . و ( كتبنا )
بمعنى : فرضنا . ومعنى ( قتل نفسا بغير نفس ) أي : قتلها ظلما ولم تقتل نفسا . ( أو فساد في
الأرض ) " فساد " منسوق على ( نفس ) ، المعنى : أو بغير فساد تستحق به القتل . وقيل : أراد
بالفساد هاهنا : الشرك ، وفي معنى قوله [ تعالى ] : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) خمسة أقوال :
أحدها : أن عليه إثم من قتل الناس جميعا ، قاله الحسن ، والزجاج .
والثاني : أنه يصلى النار بقتل المسلم ، كما لو قتل الناس جميعا ، قاله مجاهد ، وعطاء . وقال
ابن قتيبة : يعذب كما يعذب قاتل الناس جميعا .
والثالث : أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعا ، قاله ابن زيد
والرابع : أن معنى الكلام : ينبغي لجميع الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى يقيدوه منه ، كما
لو قتل أولياءهم جميعا ، ذكره القاضي أبو يعلى .
والخامس : أن المعنى : من قتل نبيا أو إماما عادلا ، فكأنما قتل الناس جميعا ، رواه عكرمة عن
ابن عباس . والقول بالعموم أصح . فإن قيل : إذا كان إثم قاتل الواحد كإثم من قتل الناس جميعا ،
دل هذا على أنه لا إثم عليه في قتل من يقتله بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس ؟ فالجواب : أن
المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعا ، معلوم عند الله محدود ، فالذي يقتل الواحد يلزمه ذلك
الإثم المعلوم ، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه ، وكلما زاد قتلا زاده الله إثما ، ومثل هذا قوله
[ تعالى ] : ( من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ) فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها ، فعاملها
يعطى بمثل ذلك عشر مرات . وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال : إذا كان من أحيا نفسا فله
ثواب من أحيا الناس ، فما ثواب من أحيا الناس كلهم ؟ هذا كله منقول عن المفسرين . والذي أراه
أن التشبيه بالشئ تقريب منه ، لأنه لا يجوز أن يكون إثم قاتل شخصين كإثم قاتل شخص ، وإنما
وقع التشبيه ب " كأنما " ، لأن جميع الخلائق من شخص واحد ، فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق
كلهم .
زاد المسير في علم التفسير — صفحة 268
مساهمون: ابن الجوزي
ص٢٦٨