تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زاد المسير في علم التفسير — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
قوله تعالى : ( من أجل ذلك ) قال الضحاك : من أجل ابن آدم الذي قتل أخاه ظلما ، وقال أبو عبيدة : من جناية ذلك ، ومن جري ذلك . قال الشاعر : وأهل خباء صالح ذات بينهم * قد احتربوا في عاجل أنا آجله أي : جانيه وجار عليهم . وقال قوم : الكلام متعلق بما قبله ، والمعنى : فأصبح من النادمين من أجل ذلك . فعلى هذا يحسن الوقف هاهنا ، وعلى الأول لا يحسن الوقف . والأول أصح . و ( كتبنا ) بمعنى : فرضنا . ومعنى ( قتل نفسا بغير نفس ) أي : قتلها ظلما ولم تقتل نفسا . ( أو فساد في الأرض ) " فساد " منسوق على ( نفس ) ، المعنى : أو بغير فساد تستحق به القتل . وقيل : أراد بالفساد هاهنا : الشرك ، وفي معنى قوله [ تعالى ] : ( فكأنما قتل الناس جميعا ) خمسة أقوال : أحدها : أن عليه إثم من قتل الناس جميعا ، قاله الحسن ، والزجاج . والثاني : أنه يصلى النار بقتل المسلم ، كما لو قتل الناس جميعا ، قاله مجاهد ، وعطاء . وقال ابن قتيبة : يعذب كما يعذب قاتل الناس جميعا . والثالث : أنه يجب عليه من القصاص مثل ما لو قتل الناس جميعا ، قاله ابن زيد والرابع : أن معنى الكلام : ينبغي لجميع الناس أن يعينوا ولي المقتول حتى يقيدوه منه ، كما لو قتل أولياءهم جميعا ، ذكره القاضي أبو يعلى . والخامس : أن المعنى : من قتل نبيا أو إماما عادلا ، فكأنما قتل الناس جميعا ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والقول بالعموم أصح . فإن قيل : إذا كان إثم قاتل الواحد كإثم من قتل الناس جميعا ، دل هذا على أنه لا إثم عليه في قتل من يقتله بعد قتل الواحد إلى أن يفنى الناس ؟ فالجواب : أن المقدار الذي يستحقه قاتل الناس جميعا ، معلوم عند الله محدود ، فالذي يقتل الواحد يلزمه ذلك الإثم المعلوم ، والذي يقتل الاثنين يلزمه مثلاه ، وكلما زاد قتلا زاده الله إثما ، ومثل هذا قوله [ تعالى ] : ( من جاء بالحسنة فله عشرة أمثالها ) فالحسنة معلوم عند الله مقدار ثوابها ، فعاملها يعطى بمثل ذلك عشر مرات . وهذا الجواب عن سؤال سائل إن قال : إذا كان من أحيا نفسا فله ثواب من أحيا الناس ، فما ثواب من أحيا الناس كلهم ؟ هذا كله منقول عن المفسرين . والذي أراه أن التشبيه بالشئ تقريب منه ، لأنه لا يجوز أن يكون إثم قاتل شخصين كإثم قاتل شخص ، وإنما وقع التشبيه ب " كأنما " ، لأن جميع الخلائق من شخص واحد ، فالمقتول يتصور منه نشر عدد الخلق كلهم .