إذ لم يكن فينا إلا منّا ، فما كان إلَّا بأسرع من ارتداد الطَّرف حتى عنّ لنا سواد ، تخفضه وهاد ، وترفعه نجاد ، وعلمنا أنه يهم بنا ، فأتلعنا « 1 » له ، حتى انتهى إلينا « 2 » سيره ، ولقينا بتحية الإسلام ، ورددنا عليه مقتضى السلام ؛ ثم أجال فينا طرفه وقال : يا قوم ؛ ما منكم إلَّا من يلحظنى شزرا ، ويوسعنى زجرا « 3 » ، ولا ينبئكم عنى ، بأصدق منى ؛ أنا رجل من أهل الإسكندرية ، من الثغور الأموية ، قد وطَّأ لي الفضل كنفه ، ورحبت بي عبس ، ونمانى بيت ، ثم جعجع بي الدهر عن ثمّه ورمّه « 4 » ، وأتلانى زغاليل حمر « 5 » الحواصل :
كأنهم حيّات أرض محلة
فلو يغضّون لذكىّ سمّهم
إذا نزلنا أرسلوني كاسبا
وإن رحلنا ركبونى كلهم
ونشزت علينا البيض « 6 » ، وشمست منا الصّفر ، وأكلتنا السّود « 7 » ، وحطمتنا الحمر ، وانتابنا أبو مالك ، فما تلقّانا أبو جابر إلَّا عن عفر « 8 » ، وهذه البصرة ماؤها هضوم ، وفقيرها مهضوم ، والمرء من ضرسه في شغل ، ومن نفسه في كلّ ، فكيف بمن :
يطوّف ما يطوّف ثم يأوى
إلى زغب محدّدة العيون
كساهنّ البلى شعثا فتمسى
جياع الناب ضامرة العيون
ولقد أصبحن اليوم وقد سرّحن الطَّرف في حىّ كميت ، وفى بيت كلا بيت ، وقلبن الأكفّ على ليت ، فقضضن عقد الضلوع ، وأفضن ماء الدموع ، وتداعين باسم الجوع :
والفقر في زمن اللثا
م لكلّ ذي كرم علامه
هامش
« 1 » أتلعنا له : استشرفنا ومددنا أعناقنا نحوه ( م )
« 2 » في نسخة « فأداه إلينا » ( م )
« 3 » في نسخة « ويوسعنى حزرا » ( م )
« 4 » ثمة ورمه : قليله وكثيره ( م )
« 5 » أتلانى : أتبعنى ، وزغاليل : أراد بهم أطفاله ، وحمر الحواصل : كناية عن صغرهم ( م )
« 6 » البيض : الدراهم لكونها من فضة ، والصفر : الدنانير لكونها من ذهب ، والنشوز والشماس بمعنى الفراق ( م )
« 7 » السود : الليالي ، والحمر : السنوات المجدبة ، وأبو مالك : الفقر ( م )
« 8 » وأبو جابر : الخير ، وما نلقانا إلا عن عفر : يعنى كل حين مرة ( م )