وإن من أحسن شعر العتابي قصيدته التي مدح بها الرشيد وأولها :
يا ليلة لي في حوران ساهرة
حتى تكلَّم في الصبح العصافير
وقال فيها :
أفي الأماقى انقباض عن جفونهما
أم في الجفون عن الآماق تقصير
وهذا البيت أخذه من قول بشار الذي أحسن فيه كل الإحسان وهو قوله :
جفت عيني عن التغميض حتّى
كأنّ جفونها عنها قصار
فمسخه العتابي ، على أن بشارا أخذه من قول جميل :
كأنّ المحبّ لطول السّهاد
قصير الجفون ولم تقصر
إلا أن بشارا أحسن فيه ؛ فنازعهما إياه فأساء ، وإنّ حقّ من أخذ معنى قد سبق إليه أن يصنعه أجود من صنعة السابق إليه ، أو يزيد عليه ، حتى يستحقه ، وأما إذا قصّر عنه فهو مسئ معيب بالسرقة ، مذموم على التقصير .
ولقد هاجى أبا قابوس النصرانىّ فغلَّب عليه في كثير مما جرى بينهما على ضعف منّة أبى قابوس في الشعر ، ثم قال في هذه القصيدة :
ماذا عسى مادح يثنى عليك وقد
ناداك بالوحي تقديس وتطهير
فتّ الممادح إلَّا أنّ ألسننا
مستعلنات بما تخفى الضمائير « 1 »
فختم البيت فيها بأثقل لفظة لو وقعت في البحر لكدّرته ، وهى صحيحة ، وما شئ أملك بالشعر بعد صحّة المعنى من حسن صحّة اللفظ ، وهذا عمل التكلف ، وسوء الطبع .
وللعباس بن الأحنف إحسان كثير ، ولو لم يكن إلا قوله :
أنكر الناس ساطع المسك من دجلة
قد أوسع المشارع طيبا
هامش
« 1 » الضمائير : أصله الضمائر ، فأشبع كسرة الهمزة فتولدت ياء ، ويقع ذلك في شعر العرب الفحول وإن كان مستكرها ؛ فمن ذلك قول الفرزدق يصف ناقة :تنفى يداها الحصى في كل هاجرة
نفى الدراهيم تنقاد الصياريففالدراهيم أصله الدراهم ، والصياريف أصله الصيارف ، فزاد الياء في كل منهما ( م )