وعاد النهار أسود ، والعيش أنكد . غرب لموته نجم الفضل ، وكسدت سوق الأدب ، وقامت نوادب السماحة ، ووقف فلك الكرم ، ولطمت عليه المحاسن خدودها ، وشقت له المناقب جيوبها [ وبرودها ] ، قد كانت الرزيّة بحيث مارت السماء مورا ، وسارت الجبال سيرا ، حتى شوهدت الكواكب ظهرا ، ثم تهافتت شفعا ووترا ، فارتاعت الأمّة ، وانبسطت الظلمة ، وارتفعت الرّحمة ، واضطربت الملَّة ، وقامت نوادب المجد ، وأصبح الناس من القيامة على وعد . إن المجد بعده لجارى الدمع ، وإنّ الفضل لمنزعج النفس ، وإنّ الكرم لحرج الصدر ، وإن الملك لواهن الظَّهر « 1 » . كتابي وأنا من الحياة متذمّم ، وبالعيش متبرّم ، بعد ما ماد الطَّود الشامخ ، وزال الجبل الباذخ ، ونطقت نوادب المجد ، وأقيمت مآتم الفضل .
نهى ؟ ؟ ؟ فلان فتنكَّر وجه الدهر ، وقبضت مهجة الفخر ، فلا قلب إلَّا قد تباين صدعه ، ولا عين إلا وهى ترشح بالدّم بعده . كتبت والأحشاء محترقة ، والأجفان بمائها غرقة ، والدمع واكف ، والحزن عاكف . مصاب أطلق أسراب الدموع وفرّقها ، وأقلق أعشار القلوب وأحرقها ، مصاب فضّ عقود الدموع ، وشبّ النار بين الضلوع . مصاب أذاب دموع الأحرار ، فتحلَّبت « 2 » سحائب الدموع الغزار ، وانسدّت مسالك السكون والاستقرار . كتبت عن عين تدمع ، وقلب يجزع ، ونفس تهلع « 3 » ، وقد أذللت مصون العبرة ، وحجبت وافد الحيرة ، ومدّ الهمّ إلى جسمي يد السقم ، وجرّ الدمع على خدّى ذيول الدم . لولا أن العين بالدمع أنطق من كل لسان وقلم ، لأخبرت عن بعض ما أوهن ظهري ، وأوهى أزرى . إنّ الفجيعة إذا لم تحارب بجيش من البكاء ، ولم يخفّف من أثقالها بالاشتكاء ، تضاعف داؤها ، وازدادت أعباؤها ، وعزّ دواؤها . قد شفيت غليلى بما استذريته
هامش
« 1 » واهن : ضعيف ، وواهن الظهر : كناية عن ضعف احتماله الأعباء ( م )
« 2 » تحلبت : سالت وانهمرت ( م )
« 3 » تهلع : تحزن ( م )