تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 857

مساهمون:

ص٨٥٧
من أسراب الدموع المتحيرة ، وخفّفت عنى بعض البرحاء بما امتريته من أخلافها المتحدرة . إن في إسبال العبرة ، وإطلاق الزّفرة ، والإجهاش بالبكاء والنشيج ، وإعلان الصياح والضجيج ، تنفيسا عن برحاء القلوب ، وتخفيفا من أثقال الكروب . قد أتى الدهر بما هدّ الأصلاب ، وأطار الألباب ، من النازلة الهائلة ، والفجيعة الفظيعة . زرء أضعف العزائم القوية ، وأبكى العيون البكيّة . مصيبة زلزلت الأرض ، وهدّمت الكرم المحض ، وسلبت الأجفان كراها ، والأبدان قواها . فجيعة لا يداوى كلمها آس « 1 » ، ولا يسدّ ثلمها تناس . مصيبة تركت العقول مدلَّهة ، والنفوس مولهة . رزء هضّ وهاض « 2 » ، وأطال الانخزال والانخفاض ، ولم يرض بأن فضّ الأعضاء ، حتى أفاض الدماء . رزء ملأ الصدور ارتياعا ، وقسم الألباب شعاعا ، وترك الجفون مقروحة ، والدموع مسفوحة ، والقوى مهدودة ، وطرق العزاء مسدودة . رزء نكأ القلوب وجرحها ، وأحرّ الأكباد وقرّحها ، مالي يد تخطَّ إلَّا بكلفة ، ولا نفس تردد إلا في غصّة ، ولا عين تنظر إلى من وراء قذى ، ولا صدر ينطوى إلَّا على أذى ؛ فالدموع واكفة ، والقلوب واجفة ، والهمّ وارد ، والانس شارد .
والناس مأتمهم عليه واحد في كل دار رنّة وزفير
كأني كندة وهى تلهّف على حجر « 3 » ، والخنساء تبكى على صخر . أنا بين عبرة وزفرة ، وأنّة وحسرة ، وتململ واضطراب ، واشتعال والتهاب . مصيبة أصبحت لغمّتها وقيذا ، ولكربتها أخيذا . كتبت وقد ملك الجزع عزائي ، وحصل ناظرى في إسار بكائي ، فالقلب دهش ، والبنان يرتعش ، وأنا من البقاء متوحّش . قد انتهى بي الهلع إلى حيث لا التّأسّى مصحب ، ولا التناسي مصاحب ، بي انزعاج يحلّ عقد الحزم ، واكتتاب ينقض شروط العزم . قد بلغ الحزن مبلغا
هامش
« 1 » الكلم : الجرح ، والآسى : المعالج ( م ) « 2 » هض : كسر ودق ، وهاض العظم : كسره ( م ) « 3 » حجر : كان ملك كندة ، وقتله بنو أسد ، وهو أبو امرئ القيس الشاعر ( م ) ( 15 - زهر الآداب 13 )