تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 577

مساهمون:

ص٥٧٧
أسرارها ، وأظهرت يد الغيث آثارها ، وأبدت الرياض أزهارها . الرياض كالعرائس في حليها وزخارفها ، والقيان في وشيها ومطارفها ، باسطة زرابيّها وأنماطها ، ناشرة حبراتها ورياطها ، زاهية بحمرائها وصفرائها ، نائهة بعيدانها وغدرانها ، كأنما احتفلت لوفد ، أو هي من حبيب على وعد . روضة قد تضوّعت بالأرج الطَّيّب أرجاؤها ، وتبرّجت في ظلل الغمام صحراؤها ، وتنافجت بنوافج المسك أنوارها ، وتعارضت بغرائب النّطق أطيارها . بستان رقّ نوره النضيد ، وراق عوده النضير . بستان عوده خضر ، ونوره نضر ، وينعه خضل ، وماؤه خصر . بستان أرضه للبقل والريحان ، وسماؤه للنخل والرمان . بستان أنهاره مفروزة بالأزهار ، وأشجاره موقرة بالثمار . أشجار كأنّ الحور أعارتها قدودها ، وكستها برودها ، وحلَّتها عقودها . الربيع شباب الزمان ، ومقدمة الورد والريحان . زمن الورد مرموق ، كأنه من الجنّة مسروق . قد ورد كتاب الورد ، بإقباله إلى أهل الود . إذا ورد الورد ، صدر البرد . مرحبا بإشراف الزهر ، في أطراف الدهر ، وأنشد :
سقى اللَّه وردا صار خدّ ربيعنا فقد كان قبل اليوم ليس له خدّ
كأنّ عين النرجس عين ، وورقه ورق « 1 » النرجس نزهة الطَّرف ، وظرف الظَّرف ، وغذاء الروح : شقائق كتيجان العقيق على رؤس الزنوج ، كأنها أصداغ المسك على الوجنات المورّدة . شقائق كالزنوج تجارحت وسالت دماؤها ، وضعفت فسال ذماؤها . كأن الشقيق جام من عقيق أحمر ، ملئت قرارته بمسك أذفر . الأرض زمرّدة ، والأشجار وشى ، والماء سيوف ، والطيور قيمان . قد غرّدت خطباء الأطيار ، على منابر الأنوار والأزهار . إذا صدح الحمام ، صدع الحمام قلب المستهام انظر إلى طرب الأشجار لغناء الأطيار . ليس للبلابل كغناء البلابل « 2 » ، وخمر بابل .
هامش
« 1 » العين المشبه بها : الذهب ، والورق - بكسر الراء - الفضة ( م ) . « 2 » البلابل الأول : الأشجان ، والثانية الطيور الغردة واحدها بلبل ( م ) .
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 577 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد