تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
وكنت كسبت ثلاثين ألف دينار ، فخفت أن يفجأنى الصارف ، ويسعى إليه بالمال ، فصغته عشرة آلاف إهليلجة « 1 » في كل إهليلجة ثلاثة مثاقيل ، وجعلتها في رحلي ، ولم أبعد أن جاء الصارف ؛ فركبت البحر ، وانحدرت إلى البصرة ؛ فخبّرت أن بها الجاحظ ، وأنه عليل ؛ فأحببت أن أراه قبل وفاته ، فصرت إليه ، فأفضيت إلى باب دار لطيف ، فقرعته ، فخرجت إلىّ خادم صفراء ، فقالت : من أنت ؟ فقلت : رجل غريب أحبّ أن يدخل إلى الشيخ فيسرّ بالنظر إليه ، فأدت ما قلت ، وكانت المسافة قريبة لصغر الدهليز والحجرة ، فسمعته يقول : قولي له : وما تصنع بشق مائل ، ولعاب سائل ، ولون حائل ؟ فأخبرتني ، فقلت : لا بدّ من الوصول إليه ، فقال : هذا رجل قد اجتاز بالبصرة ، فسمع بي وبعلتى ، فقال : أراه قبل موته ؛ لأقول : قد رأيت الجاحظ . فدخلت فسلمت فردّ ردّا جميلا واستدنانى ، وقال : من تكون ؟ أعزك اللَّه ! فانتسبت له ، فقال : رحم اللَّه أباك وقومك الأسخياء الأجواد ، الكرام الأمجاد ، لقد كانت أيامهم روض الأزمنة ، ولقد انجبر بهم خلق ، فسقيا لهم ورعيا ؛ فدعوت له ، وقلت : أنا أسأل الشيخ أن ينشدنى شيئا من الشعر أذكره به ، فأنشدني :
لئن قدّمت قبلي رجال فطالما مشيت على رسلي فكنت المقدّما ولكنّ هذا الدهر تأتى ضروفه فتبرم منقوضا ، وتنقض مبرما
ثم نهضت ، فلما قاربت الدهليز صاح بي فقال : يا فتى ؛ أرأيت مفلوجا ينفعه الإهليلج ؟ فقلت : لا ، قال : فأنا ينفعني الإهليلج الذي معك ، فأنفذ إلىّ منه ، فقلت : السمع والطاعة ، وخرجت مفرط التعجب من وقوعه على خبري ، حتى كأنّ بعض أحبابي كاتبه بخبري حين صغته ، فأنفذت إليه مائة إهليلجة .
هامش
« 1 » الإهليلج : ثمر قريب الشكل من البلح ، والواحدة بهاء ، يريد أنه صاغ الذهب على شكل الإهليلج ( م )
زهر الآداب وثمر الألباب — صفحة 542 | زكي مبارك / إبراهيم بن علي الحصري القيرواني / محمد محي الدين عبد الحميد