فباطنها للنّدى
وظاهرها للقبل
وبسطتها للغنى
وسطوتها للأجل
أخذه ابن الرومي فقال لإبراهيم بن المدبر :
أصبحت بين ضراعة وتجمّل
والمرء بينهما يموت هزيلا
فامدد إلى يدا تعوّد بطنها
بذل النوال وظهرها التقبيلا
وقال يمدح عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن طاهر ، وزاد في هذا المعنى تشبيها ظريفا :
مقبّل ظهر الكفّ وهّاب بطنها
لها راحة فيها الحطيم وزمزم
فظاهرها للناس ركن مقبّل
وباطنها عين من العرف عيلم « 1 »
وكان ذو الرياستين يقبل صواب القائلين بما في قوّته من صفاء الغريزة ، وجودة النّحيزة « 2 » فهو كما قال أبو الطيب :
ملك منشد القريض نديه
يضع الثّوب في يدي بزّاز
وكانت مخايل فضله ، ودلائل عقله ، ظهرت ليحيى بن خالد وهو على دين المجوسية ، فقال له : أسلم أجد السبيل إلى اصطناعك ، قال : فأسلم على يد المأمون ، ولم يزل في جنبته « 3 » ، إلى أن رقى إلى رتبته .
وذكره يحيى عند الرشيد فأجمل الثناء ، فأمر بإحضاره ، فلما رآه أفحم ؛ فنظر الرشيد إلى يحيى كالمستفهم ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ، إنّ من أدلّ دليل على فراهة المملوك أن تملك هيبة مولاه لسانه وقلبه ، فقال الرشيد : لئن كنت سكتّ لكي تقول هذا فقد أحسنت ، ولئن كان هذا شيئا اعتراك عند الحصر لقد أجدت ؛ وزاد في إكرامه وتقريبه ، وجعل لا يسأله بعد ذلك عن شئ إلا أجابه بأفصح لسان ، وأجود بيان .
هامش
« 1 » عيلم : كثيرة الماء ، والعيلم أيضا : البحر
« 2 » النحيزة : الطبيعة
« 3 » جنبته جا : نبه ( م ) .