وأمتّع خلقي برونقه ، وأغذّى نفسي ببهجته ، وأمزج قريحتى برقّته ، وأشرح صدري بقراءته ، ولئن كنت عن تحصيل ما قلته عاجزا ، وفي تعديد ما ذكرته متخلفا ؛ لقد عرفت أنه ما سمعت به من السّحر الحلال .
[ من وصف الكلام بالسحر ]
وقال بعض المحدثين يمدح كاتبا :
وإذا جرى قلم له في مهرق
عجلان في رفلانه ووجيفه « 1 »
نظمت مراشفه قلائد نظَّمت
بنفيس جوهر لفظه وشريفه
بدعا من السّحر الحلال تولَّدت
عن ذهن مصقول الذكاء مشوفه « 2 »
مثلا لضاربه وزاد مسافر
جعلت وتحفة قادم لأليفه
[ وصف رجل محبوبه ]
وعلى ذكر قوله « وتحفة قادم » قال إسحاق بن إبراهيم الموصلي : وصف رجل رجلا فقال : كان واللَّه سمحا سهلا ، كأنما بينه وبين القلوب نسب ، أو بينه وبين الحياة سبب ، إنما هو عيادة مريض ، وتحفة قادم ، وواسطة عقد .
[ عود إلى وصف الكلام بالسحر ]
وأخذ بعض بنى العباس رجلا طالبيّا ، فهمّ بعقوبته ، فقال الطالبي : واللَّه لولا أن أفسد ديني بفساد دنياك لملكت من لساني أكثر مما ملكت من سوطك ، واللَّه إنّ كلامي لفوق الشعر ، ودون السّحر ، وإن أيسره ليثقب الخردل ، ويحطَّ الجندل .
وقال علي بن العباس « 3 » يصف حديث امرأة :
وحديثها السّحر الحلال لو أنه
لم يجن قتل المسلم المتحرّز « 4 »
إن طال لم يملل ، وإن هي أو جزت
ودّ المحدّث أنّها لم توجز
شرك العقول ، ونزهة ما مثلها
للمطمئن ، وعقلة المستوفز « 5 »
هامش
« 1 » المهرق بفتح الراء : الصحيفة ، والجمع مهارق - عجلان : مسرع - الرفلان : السير في تبختر - والوجيف : السير السريع
« 2 » المشوف : المجلو
« 3 » هو ابن الرومي المتوفى سنة 283
« 4 » المتحرز : المتحفظ
« 5 » الشرك : الفخ - العقلة العقال ، المستوفز : المستعجل - والشاعر يذكر أن حديث هذه المرأة نزهة للمطمئن وعقال لمن يهم بالانصراف .