وأنشد الحارث بن خالد أبياته :
إني وما نحروا غداة منى . . .
لعبد اللَّه بن عمر ، فلما بلغ إلى قوله :
لعرفت معناها بما احتملت
منّى الضلوع لأهلها قبل
قال له ابن عمر : قل إن شاء اللَّه ، قال : إذا يفسد الشعر يا أبا عبد الرحمن ، فقال : لا خير في شئ يفسده إن شاء اللَّه .
[ تشبيب الحارث بن خالد ]
وكان الحارث بن خالد أحد المجيدين في التشبيب ، ولم يكن يعتقد شيئا من ذلك ، وإنما يقوله تظرّفا وتخلَّعا ؛ وكان أكثر شعره في عائشة بنت طلحة ، فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل له : لو خطبتها ! قال : إني لا كره أن يتوهّم الناس علىّ أنى كنت معتقدا لما أقول فيها ، وهو القائل :
يا أمّ عمران ما زالت وما برحت
بنا الصّبابة حتى مسّنا الشّفق « 1 »
القلب تاق إليكم كي يلاقيكم
كما يتوق إلى منجاته الغرق « 2 »
توفيك شيئا قليلا وهي خائفة
كما يمسّ بظهر الحيّة الفرق « 3 »
أخذ هذا الطائي فحسّنه فقال :
تأبى على التّصريد إلَّا نائلا
إلَّا يكن ماء قراحا يمذق « 4 »
نزرا كما استكرهت عابر نفجة
من فأرة المسك التي لم تفتق
وحجّت عائشة بنت طلحة ، فوجّه إليها يستأذنها في الزيارة ، فقالت : نحن حرام ، فأخّر ذلك حتى نحلّ ، فلما أحلت أدلجت ولم يعلم ، فكتب إليها :
ما ضرّكم لو قلتم سددا
إنّ المنيّة عاجل غدها « 5 »
ولها علينا نعمة سلفت
لسنا على الأيام نجحدها
هامش
« 1 » الشفق : الخوف
« 2 » تاق : اشتاق ( م )
« 3 » الفرق : الخائف
« 4 » التصريد . التقليل ، وإسقاء مالا يروى ( م ) .
« 5 » سددا : يريد كلاما مستقيما لا تغيره ( م ) .