يا من رأى البركة الحسنا ورونقها
والآنسات إذا لاحت مغانيها « 1 »
ما بال دجلة كالغيرى تنافسها
في الحسن طورا وأطوارا تباهيها !
إذا علتها الصّبا أبدت لها حبكا
مثل الجواشن مصقولا حواشيها « 2 »
فحاجب الشمس أحيانا يغازلها
وريّق الغيث أحيانا يباكيها « 3 »
إذا النجوم تراءت في جوانبها
ليلا حسبت سماء زكَّبت فيها
كأنما الفضّة البيضاء سائلة
من السّبائك تجرى في مجاريها
تنصبّ فيها وفود الماء معجلة
كالخيل خارجة من حبل مجريها « 4 »
كأنّ جنّ سليمان الَّذين ولوا
إبداعها فأدقّوا في معانيها
فلو تمرّ بها بلقيس عن عرض
قالت : هي الصّرح تمثيلا وتشبيها « 5 »
[ لا يبلغ السمك المقصور غايتها
لبعد ما بين قاصيها ودانيها ]
يعمن فيها بأوساط مجنّحة
كالطَّير تنشر في جوّ خوافيها
ولم ينفق أحد من خلفاء بنى العباس في البناء ما أنفقه المتوكل ؛ وذلك أنه أنفق في أبنيته ثلاثمائة ألف ألف ، وفي أبنيته يقول علي بن الجهم « 6 » :
هامش
« 1 » رواية الديوان « الحسناء رؤيتها »
« 2 » الجواشن : جمع جوشن ، وهو الدرع ، وفي الأصل « من الجواشن » وهو تحريف
« 3 » رواية الديوان « يضاحكها » وهي أنسب
« 4 » الوفود : جمع وفد ، وهو هنا تيار الماء
« 5 » عن عرض : من جانب ، وفي الأصل « معرضة » وقد آثرنا رواية الديوان .
« 6 » شاعر فحل من معاصري أبى تمام والبحتري ، وهو صاحب الرائية المشهورة التي يقول في أولها :عيون المها بين الرصافة فالجسر
جلبن الهوى من حيث أدرى ولا أدرى
أعدن لي الشوق القديم ، ولم أكن
سلوت ، ولكن زدن جمرا إلى جمراختص بالمتوكل ، ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان ، فأقام بهامدة ، ورحل إلى حلب ، فقتله بقربها بعض بنى كلب سنة 249 .