نشف به النساء مقانعهن ، والرجال عمائمهم ، ولم يتخلف عن جنازته أحد من القضاة والعلماء والأمراء والأعيان وعامة الخلق . وكان يوماً مشهوداً .
ولما خرجوا بجنازته من الدير كان يوماً شديد الحر ، فأقبلت غمامة فأظلت الناس إلى قبره .
وكان يسمع منها دَوِيّ كدويّ النحل . ولولا المبارز المعتمد ، والشجاع بن محارب ، وشبل الدولة الحسامي ما وصل إلى لّبره من كفنه شيء . وإنما أحاطوا به بالسيوف والدبابيس .
وكان قبل وفاته بليلة رأى إنسان كأنه قاسيون قد وقع أو زال من مكانه فأولوه بموته .
ولما دفن رأىَ بعض الصالحين في منامه تلك الليلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : من رأى أبا عمر ليلة الجمعة فكأنما رأى الكعبة ، فاخلعوا نعالكم قبل أن تصلوا إليه .
ومات عن ثمانين سنة ، ولم يخلف ديناراً ولا درهماً ، ولا قليلاً ولا كثيراً .
وقال غيره : حزر من حضر جنازته ، فكانوا عشرين ألفاً .
ذكر الضياء عن عبد المولى بن محمد : أنه كان يقرأ عند قبر الشيخ سورة البقرة ، وكان وحده ، فبلغ إلى قوله تعالى : " لا فَارِضٌ ولا بِكَر " " البقرة : 168 " ، قال : فغلطت ، فرد عليّ الشيخ من القبر ، قال : فخفت وفزعت وارتعدت وقمت ، ثم مات القارئ بعد ذلك بأيام . وهذه الحكاية مشهورة .
قال : وقرأ بعضهم عند قبره سورة الكهف ، فسمعه من القبر يقول : لا إله إلا الله . وذكر له عدة منامات .
وقال أبو شامة في مذيلة : أول ما وقفت على قبره وزرته وجدت - بتوفيق الله تعالى عز وجل - رقة عظيمة ، وبكاءً صالحاً . وكان معي رفيق لي ، وهو الذي عرفني قبره ، وجد أيضاً مثل ذلك .
قال : وأخبرني بعض أصحابنا الثقات : أنه رأى الإِمام الشافعي رحمه الله في
الذيل على طبقات الحنابلة — صفحة 60
مساهمون: عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي ( ابن رجب الحنبلي )
ص٦٠