ترحمون } ( 1 ) والآية تأمر باستماع القرآن عند قراءته والإنصات له ، والمصداق
الموجود لها في ظرف الرسالة هو استماع القرآن مباشرة من فم القارئ الذي يقرأ
القرآن في المسجد أو في البيت ، ولكن الحضارة الصناعية أحدثت مصداقا آخر لم
يكن موجودا في ظرف الرسالة ، كقراءة القرآن من خلال المذياع والإذاعة المرئية ،
فالآية حجة في كلا الموردين ، وليس لنا ترك الاستماع والإنصات في القسم الثاني ،
بحجة أنه لم يكن في ظرف الرسالة ، وذلك لأن العربي الصميم عندما يتدبر في مفهوم
الآية لا يرى فرقا بين القراءتين ، فلو قلنا حينئذ بوجوب الاستماع أو ندبه فليس
هذا قولا بغير دليل ، أو بدعة في الدين .
2 - قال النبي الأكرم : " طلب العلم فريضة على كل مسلم " ( 2 ) ومن الواضح أن
العلوم حتى ما يمت إلى الشرع ، كانت في ظرف صدور الحديث محدودة ، ولكن
المحدودية لا تمنع عن شمول الحديث للعلوم التي ابتكرها المسلمون لفهم الكتاب
والسنة ، كعلم اللغة والصرف والنحو والبلاغة ، بل والفقه المدون عبر العصور ،
وذلك لأن الحديث بصدد تأسيس قاعدة كلية ، فليس لمسلم أن يصف هذه العلوم
بالبدعة بحجة أنها لم تكن في عصر الرسالة ، لأن شأن الشارع الصادق إلقاء
الأصول وبيان القواعد والضوابط لا بيان المصاديق ، وبالأخص ما لم يكن في
عصره .
3 - لا شك أن من واجب المسلمين حفظ القرآن والسنة النبوية من الضياع ،
لأن الإسلام ليس دينا إقليميا بل دينا عالميا وليس دينا مؤقتا بل خاتما ،
فطبيعة ذلك الدين تقتضي لزوم حفظ نصوصه وسنته حتى ترجع إليها الأجيال
اللاحقة .
هامش
( 1 ) الأعراف : 204 .
( 2 ) مجمع الزوائد 1 : 19 .