تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 554

مساهمون:

ص٥٥٤
واعلم أنّه سبحانه لمّا ذمّ أعداء أهل التوحيد في السورة المتقدّمة ، ذكر في هذه السورة بيان التوحيد ، فقال : * ( بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ ) * الضمير للشأن ، كقولك : هو زيد منطلق . وارتفاعه بالابتداء ، وخبره الجملة . ولا حاجة إلى العائد ، لأنّها هي هو ، فحكم هذه الجملة حكم المفرد . أو لما سئل عنه ، أي : الَّذي سألتم عنه هو اللَّه ، إذ روي أنّ قريشا قالوا : يا محمّد صف لنا ربّك الَّذي تدعونا إليه . يعني : الَّذي سألتموني وصفه هو اللَّه المستجمع لجميع صفات الكمال . وعلى هذا قوله : « أحد » بدل ، أو خبر ثان . وأصله : وحد . يدلّ على مجامع صفات الجلال ، كما دلّ لفظ اللَّه على مجامع صفات الكمال ، إذ الواحد الحقيقي ما يكون منزّها بالذات عن أنحاء التركيب والتعدّد ، وما يستلزم أحدهما ، كالجسميّة والتحيّز والمشاركة في الحقيقة وخواصّها ، كوجوب الوجود ، والقدرة الذاتيّة ، والحكمة التامّة المقتضية للألوهيّة . وقيل : إنّما قال « أحد » ، ولم يقل : واحد ، لأنّ الواحد يدخل في الحساب ، ويضمّ إليه آخر . وأمّا الأحد فهو الَّذي لا يتجزّأ ، ولا ينقسم في ذاته ، ولا في معنى صفاته بحسب الاعتبار . ويجوز أن يجعل للواحد ثانيا ، ولا يجوز أن يجعل للأحد ثانيا . ألا ترى إنّك لو قلت : فلان لا يقاومه واحد ، جاز أن يقاومه اثنان . ولو قلت : لا يقاومه أحد ، لم يجز أن يقاومه اثنان ولا أكثر . فهو أبلغ . وقال أبو جعفر الباقر عليه السّلام في معنى « قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ » : « أي : قل : أظهر ما أوحينا إليك وما أنبأناك به ، بتأليف الحروف الَّتي قرأناها عليك ، ليهتدي بها من ألقى السمع وهو شهيد » . « و « هو » اسم مكنيّ مشار إلى غائب . فالهاء تنبيه عن معنى ثابت ، والواو إشارة إلى الغائب عن الحواسّ ، كما أنّ « هذا » إشارة إلى الشاهد عند الحواسّ . وذلك أنّ الكفّار نبّهوا عن آلهتهم بحرف إشارة إلى المشاهد المدرك ، فقالوا : هذه