تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 179

مساهمون:

ص١٧٩
على ما زعم القوم ، لم يرد إيمان أبي طالب ، بل أراد كفره ، وأراد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم إيمانه ، فقد حصل غاية الخلاف بين إرادتي المرسل والمرسل . فكأنّه سبحانه يقول على مقتضى اعتقادهم : إنّك يا محمّد تريد إيمانه ، ولا أريد إيمانه ، ولا أخلق فيه الإيمان ، مع تكفّله بنصرتك ، وبذل مجهوده في إعانتك والذبّ عنك ، ومحبّته لك ، ونعمته عليك . وتكره أنت إيمان وحشي ، لقتله عمّك حمزة ، وأنا أريد إيمانه ، وأخلق في قلبه الإيمان . وأيضا قالوا : إنّ أبا طالب قال عند موته : يا معشر بني هاشم أطيعوا محمّدا صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وصدّقوه تفلحوا وترشدوا . فقال النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يا عمّ تأمرهم بالنصيحة لأنفسهم ، وتدعها لنفسك ؟ قال : فما تريد يا ابن أخي ؟ قال : أريد منك كلمة واحدة ، فإنّك في آخر يوم من أيّام الدنيا ، أن تقول : لا إله إلَّا اللَّه ، أشهد لك بها عند اللَّه . قال : يا ابن أخي قد علمت أنّك لصادق ، ولكنّي أكره أن يقال : خرع « 1 » عند الموت . ولولا أن تكون عليك وعلى بني إسرائيل غضاضة ومسبّة بعدي لقلتها ، ولأقررت بها عينك عند الفراق ، لما أرى من شدّة وجدك ونصيحتك ، ولكنّي سوف أموت على ملَّة الأشياخ : عبد المطَّلب وهاشم وعبد مناف . ونحن ذكرنا في سورة الأنعام « 2 » أنّ أهل البيت عليهم السّلام قد أجمعوا على أنّ أبا طالب مات مسلما ، وتظاهرت الروايات بذلك عنهم . وأوردنا هناك طرفا من أشعاره الدالَّة على تصديقه للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وتوحيده ، فإنّ استيفاء جميعه لا تتّسع له الطوامير .
هامش
( 1 ) خرع الرجل : ضعف رأيه بعد قوّة . ( 2 ) راجع ج 2 ص 376 .