فمكثت الناقة مع ولدها ترعى الشجر وتشرب الماء ، وكانت ترد غبّا ، فإذا كان يومها وضعت رأسها في البئر ، فما ترفعه حتّى تشرب كلّ ماء فيها ، ثمّ تتفحّج « 1 » فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلئ أوانيهم ، فيشربون ويدّخرون .
قال أبو موسى الأشعري : أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر الناقة فوجدته ستّين ذراعا . وفي رواية الحسن بن محبوب : ثمانون ذراعا .
وكانت الناقة إذا وقع الحرّ تصيّفت بظهر الوادي ، فتهرب منها أنعامهم فتهبط إلى بطنه ، وإذا وقع البرد تشتّت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشقّ ذلك عليهم . وزيّنت عقرها لهم امرأتان : عنيزة أمّ غنم ، وصدقة بنت المختار ، لمّا أضرّت به من مواشيهما ، وكانتا كثيرتي المواشي .
فعنيزة دعت قدار بن سالف - وكان ولد زنا - وقالت : أعطيك أيّ بناتي شئت على أن تعقر الناقة . وكان قدار عزيزا منيعا في قومه . ودعت صدقة - وهي ذات جمال - رجلا من ثمود يقال له : مصدع بن مهرج ، وجعلت له نفسها على أن يعقر الناقة .
فاستغويا غواة ثمود ، فأتبعهما سبعة نفر ، فعقروها ، واقتسموا لحمها وطبخوه .
فانطلق سقبها « 2 » حتّى رقى جبلا اسمه قارة ، فرغا « 3 » ثلاثا . وكان صالح قال لهم : أدركوا الفصيل عسى أن يرفع عنكم العذاب ، فلم يقدروا عليه . وانفجّت « 4 » الصخرة بعد رغائه فدخلها .
فقال لهم صالح : تصبحون غدا ووجوهكم مصفرّة ، وبعد غد ووجوهكم محمرّة ، واليوم الثالث ووجوهكم مسودّة ، ثمّ يصبحكم العذاب .
هامش
( 1 ) أي : تفرّج ما بين رجليها .
( 2 ) السقب : ولد الناقة ساعة يولد ، وجمعه : أسقب .
( 3 ) رغا البعير : صوّت وضجّ .
( 4 ) أي : انفتحت .