على ما كان عليه ، لقوله : * ( فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ ) * « 1 » ، أو لكلّ أحد . والنهي في المعنى للمخاطب ، وإنّما جعل للتقلَّب تنزيلا للسبب منزلة المسبّب مبالغة .
والمعنى : لا تنظر إلى ما الكفرة عليه من السعة وإصابة حظوظ الدنيا ، ولا تغترّ بظاهر ما ترى من تبسّطهم في مكاسبهم ومتاجرهم ومزارعهم .
* ( مَتاعٌ قَلِيلٌ ) * خبر مبتدأ محذوف ، أي : تقلَّبهم متاع قليل في جنب ما فاتهم من نعيم الآخرة ، أو في جنب ما أعدّ اللَّه للمؤمنين من الثواب ، أو هو قليل في نفسه ، لزواله ونقصانه . وفي الحديث : « ما الدنيا في الآخرة إلَّا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليمّ . فلينظر بم يرجع » .
* ( ثُمَّ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وبِئْسَ الْمِهادُ ) * أي : ما مهّدوا لأنفسهم .
ثم أعلم اللَّه سبحانه أنّ من أراد اللَّه واتّقاه فله الجنّة ، فقال : * ( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ ) * لفظ « لكن » للاستدراك ، فيكون بخلاف المعنى المتقدّم . فمعناه : ليس للكفّار عاقبة خير ، إنّما هي للمتّقين المؤمنين الَّذين اتّقوا ربّهم بفعل الطاعات وترك المعاصي . * ( لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نُزُلاً مِنْ عِنْدِ اللَّه ) * . النزل والنزل ما يعدّ للنازل من طعام وشراب وصلة . وانتصابه على الحال من « جنّات » ، والعامل فيها الظرف . وقيل : إنّه مصدر مؤكّد ، والتقدير : أنزلوها نزلا .
* ( وَما عِنْدَ اللَّه ) * لكثرته ودوامه * ( خَيْرٌ لِلأَبْرارِ ) * ممّا يتقلَّب فيه الفجّار ، لقلَّته وسرعة زواله .
عن ابن مسعود أنّه قال : ما من نفس برّة أو فاجرة إلَّا والموت خير لها من الحياة . فأمّا الأبرار فقد قال اللَّه تعالى : « وما عِنْدَ اللَّه خَيْرٌ لِلأَبْرارِ » . وأمّا الفجّار فقد قال اللَّه تعالى : * ( ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ ) * « 2 » . وإنّما يكون الموت خيرا للنفس الفاجرة إذا كانت تدوم على فجورها .
هامش
( 1 ) القلم : 8 .
( 2 ) آل عمران : 178 .