ابن رواحة حين حلف أن لا يدخل على ختنه ولا يكلَّمه ولا يصلح بينه وبين امرأته ، وكان يقول : إنّي حلفت بهذا فلا يحلّ لي أن أصلح بينهما ، فنزلت . والعرضة فعلة بمعنى المفعول ، كالقبضة والغرفة . والفعلة للمقدار ، أي : اسم ما يعرض من أيّ شيء كان ، سواء كان العارض حاجزا بين شيئين ، كما يقال : فلان عرضة دوننا ، أو لم يكن بل يكون معرّضا للشيء ، كما يقال : فلان عرضة للناس ، أي : نصب للوقوع فيه .
فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية من المعنى الأوّل ، أي : ولا تجعلوا اللَّه حاجزا لأيمانكم ، أي : حاجزا لما حلفتم عليه . فالمراد بالأيمان الأمور المحلوف عليها . وحينئذ تسمية المحلوف عليه يمينا يكون لتلبّسه باليمين ،
كقوله صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم لعبد الرحمن بن سمرة : « إذا حلفت على يمين ، فرأيت غيرها خيرا منها ، فأت الَّذي هو خير » .
ويكون قوله : * ( أَنْ تَبَرُّوا وتَتَّقُوا وتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ) * عطف بيان لأيمانكم ، أي : للأمور الَّتي هي البرّ والتقوى والإصلاح . كذا قيل .
وفيه بحث ، لأنّ حمل الأيمان على المحلوف عليه إن صحّ كان مجازا ، ولا يصار إليه إلا مع تعذّر الحقيقة ، وليست متعذّرة ، لجواز أن تكون الآية من المعنى الثاني ، أي : لا تجعلوا اللَّه معرضا لأيمانكم ، أي : لا تكثروا الحلف به حتى في المحقّرات وفي غير المهمّات ، لا في المهمّات الضرورية ، ولذلك ذمّ الحلَّاف بقوله : * (
ولا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ ) * « 1 » . ويكون « أن تبرّوا » علَّة للنهي ، أي : أنهاكم عن ذلك إرادة برّكم وتقواكم وإصلاحكم بين الناس ، فإنّ الحلَّاف مجترئ على اللَّه ، والمجترئ لا يكون بارّا ولا متّقيا ولا موثوقا به في إصلاح ذات البين .
ويستفاد من التأويل الأوّل أنّه متى تضمّن اليمين ترك برّ أو تقوى أو إصلاح ، فإنّها باطلة لا يجب العمل بمضمونها ، ويجوز مخالفتها ، ومن الثاني النهي عن كثرة
هامش
( 1 ) القلم : 10 .