تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
ولهذا جعل أصحابنا رضي اللَّه عنهم هذه الآية دالَّة على أنّ الأنبياء أفضل من الملائكة ، حيث إنّه سبحانه أمرهم بالسجود لآدم ، وذلك يقتضي تعظيمه وتفضيله عليهم ، وإذا كان المفضول لا يجوز تقديمه على الفاضل علمنا أنّه أفضل من الملائكة . وهذا الوجه أوجه وأحسن من الوجه الأوّل ، لأنّه لو كان على الوجه الأوّل لما امتنع إبليس من ذلك ، ولما استعظمته الملائكة ، وقد نطق القرآن بأنّ امتناع إبليس عن السجود إنّما هو لاعتقاده تفضيله به وتكرمته ، مثل قوله تعالى : * ( أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ ) * « 1 » وقوله : * ( أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ) * « 2 » ولوجب أن يعلمه اللَّه بأنّه لم يأمره بالسجود على جهة تعظيمه وتفضيله عليه ، وإنّما أمره على الوجه الآخر الَّذي لا تفضيل فيه ، ولم يجز إغفال ذلك ، فإنّه سبب معصية إبليس وضلالته ، فلمّا لم يقع ذلك علمنا أنّ الأمر بالسجود له لم يكن إلَّا على وجه التعظيم والتفضيل والإكرام والتبجيل . وعلى هذا * ( فَسَجَدُوا ) * معناه : فسجد الملائكة سجدة تعظيم وتكريم لآدم * ( إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى ) * امتنع عمّا أمر به * ( واسْتَكْبَرَ ) * من أن يعظَّمه ويتلقّاه بالتحيّة ، أو يخدمه ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه . والإباء : الامتناع باختيار . والتكبّر : أن يرى الرجل نفسه أكبر من غيره ، والاستكبار طلب ذلك . * ( وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) * أي : في علم اللَّه تعالى ، أو صار منهم باستقباحه أمر اللَّه تعالى إيّاه بالسجود لآدم ، اعتقادا بأنّه أفضل منه ، والأفضل لا يحسن أن يؤمر
هامش
( 1 ) الإسراء : 62 . ( 2 ) الأعراف : 12 .