تخطي إلى المحتوى الرئيسي

زبدة التفاسير — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
سوّاه عزّ وجلّ من شبه عقد النكاح بين السماء والأرض بإنزال الماء منها عليها ، والإخراج به من بطنها - أشباه النسل المنتج من الحيوان - من ألوان الثمار رزقا لبني آدم ، ليكون ذلك معتبرا ومتسلَّقا إلى النظر الموصل إلى التوحيد والاعتراف ، ونعمة يتعرّفونها فيقابلونها بلازم الشكر ، ويتفكّرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وتحتهم ، وأن شيئا من هذه المخلوقات كلَّها لا يقدر على إيجاد شيء منها ، فيتيقّنوا عند ذلك أن لا بدّ لها من خالق ليس كمثلها ، حتى لا يجعلوا المخلوقات له أندادا ، وهم يعلمون أنّها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر . ولا يخفى على الذكيّ اللبيب المتأمّل أن مضمون الآيتين هو الأمر بعبادة اللَّه تعالى ، والنهي عن الإشراك به ، والإشارة إلى ما هو العلَّة والمقتضي ، وهو أنّه رتّب الأمر بالعبادة على صفة الربوبيّة إشعارا بأنّها العلَّة لوجوبها ، ثم بيّن ربوبيّته بأنّه تعالى خالقهم وخالق أصولهم وما يحتاجون إليه في معاشهم من السماء والأرض والمطاعم والملابس ، فإنّ الثمرة أعمّ من المطعوم والملبوس ، والرزق أعمّ من المأكول والمشروب . ثم لمّا كانت هذه الأمور التي لا يقدر عليها غيره شاهدة على وحدانيّته رتّب تعالى عليها النهي عن الإشراك به .
وإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِه وادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا ولَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ والْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ ( 24 ) ولمّا قرّر وحدانيّته وبيّن الطريق الموصل إلى العلم بها ذكر عقيبه ما هو الحجّة على نبوّة محمد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم ، وهو القرآن المعجز بفصاحته التي غلبت فصاحة كلّ منطيق فصيح ، وأفحمت من طولب بمعارضته من كلّ خطيب بليغ ، مع كثرتهم