ان الدول النامية تواجه مشكلات من نوعين ، في طريق نهضتها الصناعية . والنوعان
معقدان غاية التعقيد . فأما أولهما : فهو مشكلات الحصول على رأس المال ، والمواد
الخام ، والخبرة الفنية ، وطرق استخدامها أفضل استخدام . وأما النوع الثاني من هذه
المشكلات فيتعلق بالشعب والإدارة الحكومية . فعلينا قبل المضي في ثورتنا الصناعية أن
نتيقن من أن هذه الصناعة لن تخلق مشكلات أكثر مما تقضى عليه ( من المشكلات ) فعلا .
ومن كلمات المهاتما غاندي : ان المعلومات العلمية والكشوف سوف تزيد من شراهة
الانسان ، على حين أن الانسان هو الشيء الأهم من كل الأشياء ( 1 ) .
فالشعب مجتمع يخضع للبرامج التقدمية ، ولكن عند التقدم ، وهي رأس المال والخبرة
الفنية ، لا تجدي نفعا في مجتمع يسوده الفراغ السياسي والحضاري ( 2 ) .
ما الطريق إلى سد هذا الفراغ لبناء مجتمع يضطلع فيه الشعب والحكام . كل بواجبه ، لرفع
شأن البلاد ؟ .
انه سؤال بدون جواب لدى المفكرين المحدثين ، والحق أن الانسان لن يستطيع الوصول إلى
جوابه في ظل المجتمع الالحادي . فكل مشروع تقدمي يصاب بتناقض مثير ، يتجلى في أن
العقائد الشخصية لدى أفراده تخالف العقيدة الاجتماعية . فبرنامج التقدم الاجتماعي
مثلا يهدف إلى إقامة مجتمع رفاهي يتمتع بالأمن والسلام ، ثم يقول المفكرون : ان هدف
الانسان الأساسي هو الحصول على السعادة المادية ! فهم بذلك ينكرون المبدأ الأول
لبرنامجهم ، لأنهم يحرضون الأفراد على عمل هو عكس ما يحتاج اليه المجتمع .
ويرجع هذا التناقض إلى أن برنامجا من هذا النوع لم يحقق أهدافه إلى يوم الناس هذا ،
وفشلت جميع الفلسفات المادية للنهوض بالحياة الاجتماعية .
ان معنى الحصول على السعادة المادية هو أن يسعى الانسان بكل قواه إلى تحقيق كل
ما تصبو اليه أمانيه ، ولكن تحقيق الأهداف الشخصية ، في هذا ا العالم المحدود ، لا طريق
اليه دون التأثير على الآخرين . ولذلك ، فعندما يسعى الفرد إلى تحقيق مطالبه يتحول
إلى رزء بالنسبة للآخرين . . فأمنية الفرد تدمر أماني المجتمع . وحين يجد فرد ،
يتقاضى مرتبا بسيطا ، أن موارده لا تكفي لتحقيق سعادته الشخصية فإنه يسعى إلى تحقيق
ذلك بكل الصور الممكنة ، حتى ليقدم على السرقات . الرشاوى ، والغش ، والتزوير ،
والاستيلاء على حقوق الغير بالقوة . . وعندئذ يبدأ المجتمع في أن يعاني نفس المشكلات
التي كان يعاني منها أحد أفراده .
* * *
هامش
( 1 ) The Makings of a Just Society , Delhi 1963 , pp . 68 - 69 .
( 2 ) المرجع السابق : ص ؟ 31 .