وإما - وهو الأخطر لأنها غير مقتنعة بما عرض عليها من موضوعاته . وينتهي الامر بهذه
النماذج إلى أن تتبعثر في الفراغ ، وتحس باللامبالاة تجاه مسائل العقيدة ، لان أسلم
الطرق الا تبالي ، فالهرب أسلم المسالك .
والغريب ان هذه الحال قد طفحت على سطح المجتمع منذ أوائل القرن التاسع عشر ، حين بدا
اللقاء والاصطدام بين ثقافتي الشرق والغرب يواجه مبعوثينا إلى أوروبا ، على عهد محمد
علي - في مصر ، وتعرضت اعمال روائية ، منذ ذلك العهد ، وحتى يومنا هذا ، لتصوير التمزق
الفكري ، الذي يعانيه هؤلاء المبعوثون ، من أمثال : تخليص الابريز لرفاعة الطهطاوي ،
وعلم الدين لعلي مبارك ، وحديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي ، وقنديل أم هاشم ليحي
حقي ، وعصفور من الشرق لتوفيق الحكيم ، ومليم الأكبر لعادل كامل فانوس ، أي ان المشكلة
ثائرة وملحة من قديم ، دارت حولها روايات قيمة . ومع ذلك لم يبحث لها المفكرون
الدينيون عن حل ، ولم يعرضوا لها بمناقشة لاستكناه أسبابها ، على حين اكتفت الاعمال
الروائية بالتقاطها وتصويرها . والخطر بهذه السلبية إلى تفاقم ، والخراب إلى استفحال ،
والضحية دائما هو الانسان المسلم .
أليس غريبا ان يكون بعض عتاة الملاحدة في مجتمعاتنا ممن يمتون إلى أسر ذات اتصال
بالدراسة الدينية ؟ ! ! وان تنشر مجلة أسبوعية ان احدى المانيكان تمثل جامعة الأزهر
الشريف ، ثم تأتي بصورتها فإذا هي ترتدي ما ترتديه بنات باريس ( 1 ) ! ! ودعك من أن تكون
إحداهن فتاة غلاف ، تنشر لها صورة عارية ، أشبه بصور السابحات الفاتنات ، وهي من بنات
العلماء ؟ ( 2 ) انهم جميعا ، واضرابهم ، نتاج هذا الانفصام بين الفكر الديني وقضايا
العصر ، بحيث لم يأخذ هذا الفكر شكل ثقافة حية تجمع بين المعرفة والسلوك ، أي ان هناك
عجزا شائنا في الثقافة المستخدمة للاقناع ، على حين استطاعت الثقافات الأخرى ان
تحتازهم لمعسكرها ، لأنها صادفت فراغا فتمكنت ، بصرف النظر عن جدية الاشخاص أو
هزليتهم وتفاهتهم ، واحد أسباب هذا الانفصام أيضا ان من يتولون سدانة الفكر الديني
لم ينهضوا لمواجهة تحدي العصر ، ربما لأنهم فعلا غير فاهمين لرسالاتهم ، الا على أنها
استحضار لماض أثري لا علاقة له بحاضر ، وربما لتوهمهم انه لا تحدي أصلا ، بل كل شئ
هادئ على الجبهة ! ! والدنيا بخير والحمد لله ! ! فالمشكلة من هذه الوجهة أزمة في
الشعور الذي يؤدي حين يكون سويا إلى الأرق المنتج ، والقلق الخلاق ، فاما حين لا يكون
هناك شعور فان الدين يتحول عند بعض رجاله إلى باب سخي للوجاهة والارتزاق ، وعند
بعضهم إلى سلبية قاتلة ، وحسبنا الله ونعم الوكيل .
هامش
( 1 ) انظر العدد الصادر من جريدة اخبار اليوم في 29 من نوفمبر 1969 .
( 2 ) اخبار اليوم 25 / من أكتوبر 1969 .