قربان المقتول زعما منه ان الأمر لا يدور مدار التقوى أو أن اللّه سبحانه غير عالم بحقيقة الحال ، يمكن أن يشتبه عليه الامر كما ربما يشتبه على الانسان .
قوله تعالى :
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
الخ ؛ اللام للقسم ، وبسط اليد اليه كناية عن الاخذ بمقدمات القتل واعمال أسبابه ، وقد اتى في جواب الشرط بالنفي الوارد على الجملة الاسمية ، وبالصفة ( بباسط ) دون الفعل واكد النفي بالباء ثم الكلام بالقسم ، كل ذلك للدلالة على أنه بمراحل من البعد من إرادة قتل أخيه ، لا يهم به ولا يخطر بباله .
واكد ذلك كله بتعليل ما ادعاه من قوله :
« ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ »
الخ ؛ بقوله :
« إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ »
فإن ذكر المتقين لربهم وهو اللّه رب العالمين الذي يجازي في كل اثم بما يتعقبه من العذاب ينبه في نفوسهم غريزة الخوف من اللّه تعالى ، ولا يخليهم وان يرتكبوا ظلما يوردهم مورد الهلكة .
ثم ذكر تأويل قوله :
« لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ »
الخ ؛ بمعنى حقيقة هذا الذي أخبر به ، ومحصّله أن الامر على هذا التقدير يدور بين أن يقتل هو أخاه فيكون هو الظالم الحامل للإثم الداخل في النار ، أو يقتله أخوه فيكون هو كذلك ، وليس يختار قتل أخيه الظالم على سعادة نفسه وليس بظالم ، بل يختار أن يشقي أخوه الظالم بقتله ويسعد هو وليس بظالم ، وهذا هو المراد بقوله :
« إِنِّي أُرِيدُ »
الخ ؛ كنّى بالإرادة عن الاختيار على تقدير دوران الأمر .
فالآية في كونها تأويلا لقوله
« لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ »
الخ ؛ كالذي وقع في قصة موسى وصاحبه حين قتل غلاما لقياه فاعترض عليه موسى بقوله :
أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً
فنبأه صاحبه بتأويل ما فعل بقوله :
وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً