وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ »
إلى آخر الآية .
وقد ذكر اللّه تعالى لهم خمس صفات اختارها من بين جميع صفاتهم التي ذكرها في كلامه لكونها مستلزمة لكرائم صفاتهم على كثرتها وملازمة لحق الايمان ، وهي بحيث إذا تنبهوا لها وتأملوها كان ذلك مما يسهّل لهم توطين النفس على التقوى وإصلاح ذات بينهم ، وإطاعة اللّه ورسوله .
وهاتيك الصفات الخمس هي : وجل القلب عند ذكر اللّه ، وزيادة الايمان عند استماع آيات اللّه ، والتوكل ، وإقامة الصلاة ، والإنفاق مما رزقهم اللّه ، ومعلوم ان الصفات الثلاث الأول من اعمال القلوب ، والأخيرتان من اعمال الجوارح .
وقد روعي في ذكرها الترتيب الذي بينها بحسب الطبع ، فإن نور الإيمان إنما يشرق على القلب تدريجا ، فلا يزال يشتد ويضاعف حتى يتم ويكمل بحقيقته ، فأول ما يشرق يتأثر القلب بالوجل والخشية إذا تذكّر باللّه عند ذكره ، وهو قوله تعالى :
« إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ »
.
ثم لا يزال ينبسط الإيمان ويتعرّق وينمو ويتفرع بالسير في الآيات الدالة عليه تعالى ، والهادية إلى المعارف الحقة ، فكلما تأمّل المؤمن في شيء منها زادته ايمانا ، فيقوى الايمان ويشتد حتى يستقر في مرحلة اليقين ، وهو قوله تعالى :
« وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً »
.
وإذا زاد الايمان وكمل كمالا عرف عندئذ مقام ربه وموقع نفسه ، معرفة تطابق واقع الأمر ، وهو أن الأمر كله إلى اللّه سبحانه فإنه تعالى وحده هو الرب الذي إليه يرجع كل شيء ، فالواجب الحق على الإنسان ان يتوكل عليه ويتبع ما يريده منه بأخذه وكيلا في جميع ما يهمه في حياته ، فيرضى بما يقدر له في مسير الحياة ، ويجري على ما يحكم عليه من الأحكام ويشرّعه من الشرائع فليأتمر بأوامره وينتهي عن نواهيه ، وهو قوله تعالى :
« وَعَلى رَبِّهِمْ