ولم يهجروهم .
وفي الآية دلالة على سنّة إلهية عامة ، وهي أن عدم ردع الظالمين عن ظلمهم بمنع ، وعظة إن لم يمكن المنع أو هجرة إن لم تمكن العظة أو بطل تأثيرها ، مشاركة معهم في ظلمهم ، وأن الأخذ الإلهي الشديد كما يرصد الظالمين كذلك يرصد مشاركيهم في ظلمهم .
قوله تعالى :
فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
العتو المبالغة في المعصية والقردة جمع القرد وهو الحيوان المعروف ، والخاسئ الطريد البعيد من خسأ الكلب إذا بعد .
وقوله :
« فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ »
أي عن ترك ما نهوا عنه فإن العتو إنما يكون عن ترك المنهيات لا عن نفسها ، والباقي ظاهر .
قوله تعالى :
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ
إلى آخر الآية ؛ تأذّن وأذن بمعنى أعلم ، واللام في قوله :
« لَيَبْعَثَنَّ »
للقسم ، والمعنى : واذكر إذ أعلم ربك أنه قد أقسم ليبعثن على هؤلاء الظالمين بعثا يدون عليهم ما دامت الدنيا من يذيقهم ويولّيهم سوء العذاب .
وقوله :
إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ
معناه أن من عقابه ما يسرع إلى الناس كعقاب الطاغي لطغيانه ، قال تعالى :
الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ
- إلى أن قال -
إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ
( الفجر / 14 ) والدليل على ما فسرنا به قوله بعده :
« وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
فإن الظاهر أنه لم يؤت به إلا للدلالة على أنه تعالى ليس بسريع العقاب دائما وإلا فمضمون الآية ليس مما يناسب التذليل باسمي الغفور والرحيم لتمحضه في معنى المؤاخذة والانتقام فمعنى قوله :
« إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ »
أنه تعالى غفور للذنوب رحيم بعباده لكنه إذا قضى لبعض عباده بالعقاب لاستيجابهم ذلك بطغيان وعتو ونحو ذلك فسرعان ما يتبعهم إذ لا مانع يمنع عنه ولا عائق يعوقه .