مفضل على غيرهم جميعا بتفضيل إلهي .
وبالجملة الملاك في أمر هذا التفضيل هو التلبس بتلك الهداية الإلهية التي لا واسطة فيها ، والأنبياء فضلوا على غيرهم بسبب التلبس بها فلو فرض تلبس من غيرهم بهذه الهداية كالملائكة كما ربما يظهر من كلامه تعالى كالأئمة على ما تقدم في البحث عن قوله تعالى :
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ
( البقرة / 124 ) في الجزء الأول من الكتاب فلا يفضل عليهم الأنبياء عليهم السّلام من هذه الحيثية وإن أمكن أن يفضلوا عليهم من جهة أخرى غير جهة الهداية .
قوله تعالى :
وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ
هذا التعبير يؤيد ما قدمناه أن المراد بيان اتصال سلسلة الهداية حيث أضاف الباقين إلى المذكورين بأنهم متصلون بهم بابوّة أو بنوّة أو اخوّة .
قوله تعالى :
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
قال الراغب في المفردات : يقال : جبيت الماء في الحوض جمعته والحوض الجامع له جابية وجمعها « جواب » قال اللّه تعالى : وجفان كالجواب ، ومنه استعير جبيت الخراج جباية ومنه قوله تعالى :
يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ
، والاجتباء الجمع على طريق الاصطفاء قال عزّ وجل :
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ
.
قال : واجتباء اللّه العبد تخصيصه إياه بفيض إلهي يتحصل له منه أنواع من النعم بلا سعي من العبد ، وذلك للأنبياء وبعض ما يقارنهم من الصديقين والشهداء كما قال تعالى :
وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ،
فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ
وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
وقوله تعالى :
ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى
، وقال عزّ وجل :
يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ
، انتهى .
قوله تعالى :
ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ
إلى آخر الآية ؛ يبين تعالى أن الذي ذكره من صفة الهداية التي هدى بها المذكورين من أنبيائه هو المعرّف لهداه الخاص به الذي يهدي به من يشاء من عباده .