ليكون كبرهان آخر على عدم خيرة منه صلّى اللّه عليه وآله وسلم في كتمانه وتأخيره تبليغه ، ويكون له عذرا في إظهاره على الناس ، وتلويحا إلى أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلم مصيب في ما تفرسه منهم وتخوف عليه ، وإيماء إلى أنه مما يجب أن يظهر من ناحيته صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبلسانه وبيانه .
قوله تعالى :
وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ
المراد بقوله
« رِسالَتَهُ »
وقرئ « رسالاته » كما تقدم مجموع رسالات اللّه سبحانه التي حملها رسوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم ، وقد تقدم أن الكلام يفيد أهمية هذا الحكم المرموز اليه ، وأن له من المكانة ما لو يبلغه كان كأن لم يبلغ شيئا من الرسالات التي حملها .
فالكلام موضوع في صورة التهديد ، وحقيقته بيان أهمية الحكم ، وأنه بحيث لو لم يصل إلى الناس ، ولم يراع حقه كان كأن لم يراع حق شيء من أجزاء الدين فقوله
« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ »
جملة شرطية سيقت لبيان أهمية الشرط وجودا وعدما لترتب الجزاء الأهم عليه وجودا وعدما .
وليست شرطية مسوقة على طبع الشرطيات الدائرة عندنا فإنا نستعمل « إن » الشرطية طبعا فيما نجهل تحقق الجزاء للجهل بتحقق الشرط ، وحاشا ساحة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم من أن يقدر القرآن في حقه احتمال ان يبلغ الحكم النازل عليه من ربه وأن لا يبلغ ، وقد قال تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
( الأنعام / 124 ) .
فالجملة أعني قوله :
« وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ »
الخ ؛ إنما تفيد التهديد بظاهرها وتفيد إعلامه عليه السّلام وإعلام غيره ما لهذا الحكم من الأهمية ، وأن الرسول معذور في تبليغه .
قوله تعالى :
وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ
قال الراغب : العصم ( بالفتح فالسكون ) الإمساك والاعتصام الاستمساك - إلى أن قال - والعصام ( بالكسر ) ما يعتصم به أي يشد ، وعصمة الأنبياء حفظه إياهم أولا بما خصهم به من صفاء الجوهر ، ثم بما أولاهم من الفضائل الجسمية والنفسية ، ثم بالنصرة وبتثبيت أقدامهم ، ثم