تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 22

مساهمون:

ص٢٢
إنما ذكر الدين ليرجع الضمير إليه في قوله تعالى : فاكتبوه ، إذ لو لم يذكر لوجب أن يقال : فاكتبوا الدين ، فلم يكن النظم بذلك الحسن ولأنه أبين لتنويع الدين إلى مؤجل وحال ، وإنما قال : مسمى ، ليعلم أن من حق الأجل أن يكون معلوما كالتوقيت بالسنة والأشهر والأيام ، ولو قال : إلى الحصاد أو الدياس أو رجوع الحاج لم يجز لعدم التسمية ، وإنما أمر بكتب الدين لأنه أوثق وآمن من النسيان وأبعد من الجحود والأمر هنا للندب . وعن ابن عباس المراد به السلم ، وقال : لما حرم الله الربا أباح السلف ، وقال : أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم في كتابه وأنزل فيه أطول آية ، وقيل : إنما قال : بدين ، على وجه التأكيد ولا أن يختص " تداينتم " بالدين خاصة دون الدين الذي هو الجزاء ، و " أجل مسمى " معلوم . وقوله تعالى : فاكتبوه ، ظاهره الأمر بالكتابة واختلفوا في مقتضاه ، فقال أبو سعيد الخدري والشعبي والحسن هو مندوب إليه ، وقال الربيع وكعب هو فرض والأول أصح لإجماع أهل عصرنا عليه ، ولقوله تعالى : فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته ، ومفهومه فإن أمنه في ما له أن يأمنه ، وقال الأكثرون : حكم الآية في كل دين من سلم أو غيره أو تأخير ثمن في بيع وهو الأقوى لأنه العموم ، فأما القرض فلا مدخل له فيه لأنه لا يكون مؤجلا والقرض فيه ثواب جزيل وهو أفضل من الصدقة . فصل : ثم قال تعالى : وليكتب بينكم كاتب بالعدل أي كاتب مأمون على ما يكتبه يكتب بالسوية والاحتياط لا يزيد على ما يجب أن يكتب ولا ينقص ، فقوله : بالعدل ، متعلق بكاتب صفة له . وقيد أن يكون الكاتب فقيها عالما بالشروط حتى يجئ مكتوبه معدلا بالشرع ، وهو أمر للمبتدئين بتخير الكاتب وأن لا يستكتبوا إلا فقيها دينا ، ولا يمتنع أحد من الكتاب أن يكتب كتابة الوثائق ولا يغير ولا يبدل ، وذكرنا كراهية الدين إلا عند الضرورة . ومن لا يملك شيئا يقضي به دينه فليقبل الصدقة ولا يتعرض للدين لأن الصدقة حق جعلها الله له في الأموال .