تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
فإن احتج المخالف بما يروونه عن النبي ص من قوله : الراجع في هبته كالراجع في قيئه ، وبلفظ آخر : الراجع في هبته كالكلب يعود في قيئه . فالجواب عن ذلك : أن هذه كلها أخبار آحاد لا توجب علما ولا عملا ولا يثبت بمثلها الأحكام ، وهذا الخبر معارض بأخبار كثيرة يروونها عن النبي ص من جواز الرجوع في الهبة ، وإذا سلم هذا الخبر على ما فيه فالمراد به الاستقذار لا التحريم ، لأن ذلك مستقذر مستهجن ، ألا ترى أن الكلب لا تحريم عليه ؟ فأما الخبر الآخر الذي يتضمن ذكر الكلب فهو وإن كان مطلقا يرجع إلى الكلب لأن الألف واللام يحملان على العهد ، وليس هاهنا جنس يعهد منه الرجوع في قيئه إلا الكلب فلا فرق بين أن يقول : كالعائد في قيئه ، وبين أن يقول : كالكلب يعود في قيئه ، على أنا لو حملنا لفظة " العائد " على الجنس والعموم لدخل فيه الكلب لا محالة فلا يجوز حمل العود على التحريم ، لأن ذلك لا يتأتى في الكلب فلا بد من حمله على الاستقذار والاستهجان وهو متأت في كل عائد . فإن قيل : كيف يجوز أن يجتمع جواز الرجوع في الهبة مع القول بأنها تملك بالقبض ؟ قلنا : غير ممتنع اجتماع ذلك ، كما أن المبيع إذا شرط فيه الخيار مدة معلومة كان مملوكا بالعقد ، وإن كان حق الرجوع فيه ثابتا . فإن قالوا : الملك مع ثبوت حق الخيار ناقص أو غير مستقر . قلنا : نحن نقول في ملك الموهوب مع ثبوت حق الرجوع مثل ما يقولونه حرفا بحرف . مسألة في الهبة أيضا : ومما انفردت به الإمامية : أن من وهب شيئا في مرضه الذي مات فيه إذا كان عاقلا مميزا تصح هبته ولا يكون من ثلثه ، بل يكون من صلب ماله . وخالف باقي الفقهاء في ذلك ، وذهبوا إلى أن الهبة في مرض الموت محسوبة من الثلث ، دليلنا الاجماع المتردد ، ولأن تصرف العاقل في ماله جائز وما تعلق للورثة بماله وهو حي حق فهبته جائزة ، ولذلك صح بلا خلاف نفقة جميع ماله على نفسه في مأكل ومشرب . فإن قيل : أي فرق بين الهبة في المرض والوصية في المرض ؟ قلنا : الهبة حكمها منجز في الحال وما تعلق في حال الحياة حق لوارث المال المورث ، والوصية حكمها موقوف على الوفاة ، وبعد الوفاة يتعلق حق الورثة بمال المورث فوجب أن