تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الينابيع الفقهية — صفحة 464

مساهمون:

ص٤٦٤
العموم حسب ما بيناه فلما قال الشارع : إذا وقع في البئر انسان ومات فيها يجب نزح سبعين دلوا علمنا ، أن هذا عموم ولما أجمعنا أنه إذا باشرها كافر وجب نزح جميع مائها علمنا أنه خصوص . لأن الانسان على ضربين : مسلم محق وكافر مبطل هذا انسان وهذا انسان بغير خلاف ، فانقسم الانسان إلى قسمين والكافر لا ينقسم لا يقال : هذا كافر وهذا كافر وليس بكافر فإن أريد بالكافر الانسان على القسمين معا كان مناقضة في الأدلة ، والأدلة لا تتناقض فلم يبق إلا أنه أراد بالإنسان ما عدا الكافر الذي هو أحد قسمي الانسان ، وما هذا كاستدلالنا كلنا على المعتزلة في تعلقهم بعموم آيات الوعيد مثل قوله تعالى : وإن الفجار لفي جحيم ، ففجار أهل الصلاة داخلون في عموم الآية فيجب أن يدخلوا النار ولا يخرجوا منها . فجوابنا لهم : إن الفاجر على ضربين : فاجر كافر وفاجر مسلم وقد علمنا بالأدلة القاهرة عن أدلة العقول التي لا يدخلها الاحتمال أن فاجر أهل الصلاة غير مخلد في النار وهو مستحق للثواب بإيمانه . قال الله تعالى في آية أخرى : جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأويهم جهنم وبئس المصير ، فعلمنا أن الفجار في الآية من عدا فجار أهل الصلاة من فجار الكفار لأنه ليس كل فاجر كافر وكل كافر فاجر ، فأعطينا كل آية حقها وكنا عاملين بهما جميعا فالعموم قد يخص بالأدلة لأنه لا صيغة له عندنا . ومثال آخر : إذا خاطبنا الحكيم بجملتين متماثلتين في العموم ، فإن كانت الجملة الأولى أعم والثانية أخص دل ذلك على أنه أراد بالجملة الأولى ما عدا ما ذكر في الجملة الثانية ، وإن كانت الجملة الثانية أعم دل ذلك على أنه أراد بالثانية ما عدا ما ذكره في الجملة الأولى ، ونظيره أن يقول : اقتلوا المشركين ، ويقول بعده : لا تقتلوا اليهود والنصارى ، فإن ذلك يفيد أنه أراد بلفظ " المشركين " ما عدا اليهود والنصارى وإلا كانت مناقضة أو بداء ، وذلك لا يجوز ، ونظير الثاني أن يقول أولا : لا تقتلوا اليهود والنصارى ، ثم يقول بعده : اقتلوا المشركين ، فإن ذلك يدل على أنه أراد بلفظ المشركين الثانية ما عدا ما ذكر في الجملة الأولى ولولا ذلك لأدى إلى ما قدمناه وأبطلناه وليس لأحد أن يقول : هلا حملتم الجملة الثانية على أنها ناسخة للجملة الأولى ؟ قلنا : من شأن النسخ أن تتأخر عن حال الخطاب على ما هو معلوم في حد النسخ ، وإنما ذلك من أدلة التخصص التي يجب مقارنتها للخطاب ، فعلى هذا ينبغي أن يحمل كل ما يرد من هذا الباب