موضع المدينة التي بناها ، وأقطع الناس المقاطع ، وجد في البناء حتى بنى الناس
القصور والدور ، وقامت الأسواق ، ثم ارتحل من القاطول إلى سر من رأى ،
فوقف في الموضع الذي فيه دار العامة ، وهناك دير للنصارى ، فاشترى من
أهل الدير الأرض ، واختط فيه ، وصار إلى موضع القصر المعروف بالجوسق
على دجلة ، فبنى هناك عدة قصور للقواد والكتاب وسماها بأسمائهم ، وحفر
الأنهار في شرقي دجلة وعمر العمارات ، ونصبت الدواليب والدوالي على الأنهار ،
وحملت النخيل والغروس من سائر البلدان ، وكان ابتداء ذلك في سنة 221 ،
وبنى القرى ، وحمل إليها الناس من كل بلد ، وأمرهم أن يعمروا عمارة
بلدهم ، وحمل قوما من أرض مصر يعملون القراطيس ، فعملوها ، فلم يأت
في تلك الجودة .
واشتدت شوكة بابك ، وكان محمد بن البعيث قد شايعه ، وعصمة الكردي
صاحب مرند في طاعته ، فوجه المعتصم طاهر بن إبراهيم أخا إسحاق بن إبراهيم ،
عامل البلد ، وأمره بمحاربة القوم ، فلما قدم البلد كتب ابن البعيث إلى المعتصم
يعلمه أنه في الطاعة ، وأنه في التدبير على بابك وأصحابه ، ثم مكر بعصمة
الكردي صاحب مرند ، فتزوج ابنته ، وصار إليه إلى مرند ، ثم دعاه إلى
منزله فحمل عليه وعلى من معه في الشرب ، فلما سكروا حملهم في الليل إلى
قلعته التي يقال لها شاهي ، ثم أنفذهم إلى المعتصم ، فأجازه المعتصم ، وحباه ،
وأعطاه ، وذلك لأنه أخبر طاهر بن إبراهيم بما كان منه ، وسأله أن يبعث إليه
الحديد والبغال يحملهم إليه ، ففعل ذلك طاهر ، فحملهم إلى المعتصم ، وكتب
إليه بخبرهم ، فغلظ المعتصم على إسحاق ، وقال : ما أرى عند أخيك شيئا ،
ولا أرى الرجلة إلا عند ابن البعيث .
ووجه الافشين حيدر بن كاوس الاسروشني ، وعقد له على جميع ما
اجتاز وبه من الأعمال ، وحملت معه الأموال وخزائن السلاح ، فلما صار الافشين
إلى الجبل أخذ من كان به من الصعاليك والوجوه ، فنفذ ، فكانت بينه وبين
تاريخ اليعقوبي — صفحة 473
مساهمون: اليعقوبي
ص٤٧٣