الأمر من أبيك ، ولكنكم ، معاشر قريش ، كاثرتمونا ، فاستأثرتم علينا سلطاننا ،
ودفعتمونا عن حقنا ، فبعدا على من يجترئ على ظلمنا ، واستغوى السفهاء علينا ،
وتولى الأمر دوننا . فبعدا لهم كما بعدت ثمود ، وقوم لوط ، وأصحاب مدين ،
ومكذبو المرسلين .
ألا ومن أعجب الأعاجيب ، وما عشت أراك الدهر العجيب ، حملك بنات
عبد المطلب وغلمة صغارا من ولده إليك بالشأم كالسبي المجلوب ، تري الناس
أنك قهرتنا ، وأنك تأمر علينا ، ولعمري لئن كنت تصبح وتمسي آمنا لجرح
يدي ، إني لأرجو أن يعظم جراحك بلساني ونقضي وإبرامي ، فلا يستقر بك
الجدل ، ولا يمهلك الله بعد قتلك عترة رسول الله إلا قليلا ، حتى يأخذك أخذا
أليما ، فيخرجك الله من الدنيا ذميما أثيما ، فعش لا أبا لك ، فقد والله أرداك
عند الله ما اقترفت . والسلام على من أطاع الله .
وولى يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان المدينة ، فأتاه ابن مينا ، عامل
صوافي معاوية ، فأعلمه أنه أراد حمل ما كان يحمله في كل سنة من تلك الصوافي
من الحنطة والتمر ، وأن أهل المدينة منعوه من ذلك ، فأرسل عثمان إلى جماعة
منهم ، فكلمهم بكلام غليظ ، فوثبوا به وبمن كان معه بالمدينة من بني أمية ،
وأخرجوهم من المدينة واتبعوهم يرجمونهم بالحجارة ، فلما انتهى الخبر إلى
يزيد بن معاوية وجه إلى مسلم بن عقبة ، فأقدمه من فلسطين ، وهو مريض ،
فأدخله منزله ، ثم قص عليه القصة ، فقال : يا أمير المؤمنين ! وجهني إليهم ،
فوالله لأدعن أسفلها أعلاها ، يعني مدينة الرسول ، فوجهه في خمسة آلاف
إلى المدينة ، فأوقع بأهلها وقعة الحرة ، فقاتله أهل المدينة قتالا شديدا ، وخندقوا
على المدينة ، فرام ناحية من نواحي الخندق ، فتعذر ذلك عليه ، فخدع مروان
بعضهم ، فدخل ومعه مائة فارس ، فأتبعه الخيل حتى دخلت المدينة ، فلم يبق
بها كثير أحد إلا قتل ، وأباح حرم رسول الله ، حتى ولدت الأبكار لا يعرف
من أولدهن ، ثم أخذ الناس على أن يبايعوا على أنهم عبيد يزيد بن معاوية ،
تاريخ اليعقوبي — صفحة 250
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٥٠