ولم يكن بمكة بيت في الحرم ، إنما كانوا يكونون بها نهارا ، فإذا أمسوا
خرجوا ، فلما جمع قصي قريشا ، وكان أدهى من رئي من العرب ، انزل
قريشا الحرم ، وجمعهم ليلا ، وأصبح بهم حول الكعبة ، فمشت إليه أشراف
بني كنانة ، وقالوا : ان هذا عظيم عند العرب ، ولو تركناك ما تركتك العرب .
فقال : والله لا أخرج منه ، فثبت .
وحضر الحج ، فقال لقريش : قد حضر الحج ، وقد سمعت العرب ما
صنعتم ، وهم لكم معظمون ، ولا أعلم مكرمة عند الرب أعظم من الطعام ،
فليخرج كل إنسان منكم من ماله خرجا ! ففعلوا ، فجمع من ذلك شيئا كثيرا ،
فلما جاء أوائل الحج نحر على كل طريق من طرق مكة جزورا ، ونحر بمكة ،
وجعل حظيرة ، فجعل فيها الطعام من الخبز واللحم ، وسقى الماء واللبن ، وغدا
على البيت ، فجعل له مفتاحا وحجبة ، وحال بين خزاعة وبينه ، فثبت البيت
في يد قصي ، ثم بنى داره بمكة ، وهي أول دار بنيت بمكة ، وهي دار
الندوة .
وروى بعضهم انه لما تزوج قصي إلى حليل بن حبشية الخزاعي حبى
ابنته ، وولدت له ، أوصى حليلا عند موته بولاية البيت إلى قصي ، وقال :
إنما ولدك ولدي ، وأنت أحق بالبيت . وكانت حبى بنت حليل بن حبشية
قد ولدت لقصي بن كلاب ، عبد مناف ، وعبد الدار ، وعبد العزى ، وعبد
قصي ، وقال آخرون : دفع حليل بن حبشية المفتاح إلى أبي غبشان ، وهو
سليمان بن عمرو بن بوي بن ملكان بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ،
فاشتراه قصي منه وولاية البيت بزق خمر وقعود ، فقيل : اخس من صفقة
أبي غبشان ، ووثبت خزاعة ، فقالت : لا نرضى بما صنع أبو غبشان ، فوقعت
بينهم الحرب ، فقال بعضهم :
أبو غبشان أظلم من قصي ، * وأظلم من بني فهر خزاعة
تاريخ اليعقوبي — صفحة 239
مساهمون: اليعقوبي
ص٢٣٩