وشرفهم في قومهم ولعل فيما حكاه الرازي أقوى في الدلالة على تقيتهم ، إذ لا يمكن
بموجبه تصور عدم تقيتهم ، إلا أن يقال بأنهم لم يكونوا من المؤمنين أصلا ، وهذا
احتمال باطل لم يقل به أحد قط ، وقد صرح القرآن الكريم بخلافه ، حيث قال تعالى عنهم
: ( إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ) ( 1 ) .
وكيف يعقل عدم اتقائهم وهم من مستشاري ملكهم الكافر ؟
نعم ، قد يقال بأن قوله تعالى : ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا
رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا ) ( 2 )
بأنه دال على عدم تقيتهم ، كما ورد في كتب التفسير لدى الشيعة الإمامية ( 3 ) كما أن
قولهم : ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها ) هو قول من
لا يرى التقية أصلا ، فأين تقية أصحاب الكهف حينئذ ؟
والجواب : إن هذا القول إن دل على عدم تقيتهم فلا دليل عليه أنهم كانوا لا يرون
التقية قبل قولهم هذا ، وقد مر ما يشير إلى أن قولهم هذا كان في آخر أيام مكثهم
بين قومهم ، وكانوا قبل ذلك سائرين على التقية لا محالة .
ولقد مر أيضا في دلالة الآية السابقة على التقية أن مؤمن آل فرعون - كما في أحد
القولين - قد أظهر إيمانه حين سمع فرعون اللعين يقول : ( ذروني أقتل موسى ) ، وأن
هذا المؤمن قد شافه فرعون بالحق ولم يتق منه ، مع أنه كان يكتم إيمانه عن فرعون
وقومه بنص القرآن الكريم .
وبعد سلامة دلالة قول أصحاب الكهف المتقدم على عدم التقية ، فيكون
هامش
( 1 ) الكهف 18 : 13 .
( 2 ) الكهف : 18 : 14 .
( 3 ) هذا ما اختاره الشيخ الطوسي في التبيان 7 : 15 .