ولو قال : هو صادق بكل ما يعدكم ، لعلموا إنه متعصب ، وإنه يزعم أنه نبي ، وإنه
يصدقه . . . ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس بمصدق وهو قوله : ( إن الله لا
يهدي من هو مسرف كذاب ) انتهى ( 1 ) .
ومن هنا يتبين أن ما ذهب إليه البرسوي الحنفي ( ت / ه ) في معنى قوله تعالى حكاية
عن حال المؤمن : ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) من أنه كان
يستره ويخفيه من فرعون وملئه لا خوفا ، بل ليكون كلامه بمحل من القبول ( 2 ) ، لا
دليل عليه ، وتخالفه سائر الأقوال المتقدمة واللاحقة أيضا ، على أنه قال بعد ذلك
: وكان قد آمن من بعد بمجئ موسى أو قبله بمائة سنة وكتمه ( 3 ) .
ولعمري من أين له أن يعلم إن كتمان إيمانه قبل أن يسمع بمقولة فرعون بمائة عام كان
من غير خوف على نفسه من الكافرين ؟
قال الشوكاني الزيدي ( ت / 1250 ه ) - بعد أن ذكر قول المؤمن : ثم تلطف لهم في
الدفع عنه فقال : ( وإن يك كاذبا . . . ) ، ولم يكن قوله هذا لشك منه ، فإنه كان
مؤمنا كما وصفه الله ولا يشك المؤمن ( 4 ) .
وقال الآلوسي الوهابي ( ت / 1270 ه ) - وقد ذكر قول المؤمن لفرعون وقومه - : ثم إن
الرجل احتاط لنفسه خشية أن يعرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به ، فتلطف في الاحتجاج
فقال : ( وإن يك كاذبا فعليه كذبه ) لا يتخطاه وبال كذبه ( 5 ) .
هامش
( 1 ) البحر المحيط / أبو حيان 7 : 461 .
( 2 ) روح البيان / البرسوي 8 : 177 .
( 3 ) م . ن 8 : 177 .
( 4 ) فتح القدير / الشوكاني 4 : 489 .
( 5 ) روح المعاني / الآلوسي 24 : 64 .