النشوز دون نفسه لمراعاة حال العظة من بين العلاجات الثلاث المذكورة فإن الوعظ كما أن له محلا مع تحقق العصيان كذلك له محل مع بدو آثار العصيان وعلائمه .
والأمور الثلاثة أعني ما يدل عليه قوله :
« فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ »
وان ذكرت معا وعطف بعضها على بعض بالواو فهي أمور مترتبة تدريجية :
فالموعظة ، فإن لم تنجح فالهجرة ، فإن لم تنفع فالضرب ؛ ويدل على كون المراد بها التدريج فيها أنها بحسب الطبع وسائر للزجر مختلفة آخذة من الضعف إلى الشدة بحسب الترتيب المأخوذ في الكلام ، فالترتيب مفهوم من السياق دون الواو .
وظاهر قوله :
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ
أن تكون الهجرة مع حفظ المضاجعة كالاستدبار وترك الملاعبة ونحوها ، وإن أمكن أن يراد بمثل الكلام ترك المضاجعة لكنه بعيد ، وربما تأيد المعنى الأول بإتيان المضاجع بلفظ الجمع فإن المعنى الثاني لا حاجة فيه إلى إفادة كثرة المضجع ظاهرا .
قوله تعالى :
فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا
الخ ؛ أي لا تتخذوا عليهن علة تعتلون بها في إيذائهن من إطاعتهن لكم ، ثم علل هذا النهي بقوله :
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيًّا كَبِيراً
، وهو إيذان لهم أن مقام ربهم على كبير فلا يغرنهم ما يجدونه من القوة والشدة في أنفسهم فيظلموهن بالاستعلاء والاستكبار عليهن .
قوله تعالى :
وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا
، الشقاق البينونة والعداوة ، وقد قرر اللّه سبحانه بعث الحكمين ليكون أبعد من الجور والتحكم ، وقوله :
إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُما
أي إن يرد الزوجان نوعا من الإصلاح من غير عناد ولجاج في الاختلاف ، فإن سلب الاختيار من أنفسهما وإلقاء زمام الأمر إلى الحكمين المرضيين يوجب وفاق البين « 1 » .
هامش
( 1 ) . النساء 32 - 35 : كلام في معنى قيمومة الرجال على النساء .