عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ
( الحديد / 19 ) . وهذا هو الحاق المؤمنين بالشهداء والصديقين في الآخرة ، لمكان قوله :
عِنْدَ رَبِّهِمْ
، وقوله :
لَهُمْ أَجْرُهُمْ
.
فأولئك ( وهم أصحاب الصراط المستقيم ) أعلى قدرا وأرفع درجة ومنزلة من هؤلاء وهم المؤمنون الذين أخلصوا قلوبهم واعمالهم من الضلال والشرك والظلم ، فالتدبر في هذه الآيات يوجب القطع بان هؤلاء المؤمنين و ( شأنهم هذا الشأن ) فيهم بقية بعد ، لو تمت فيهم كانوا من الذين أنعم اللّه عليهم ، وارتقوا من منزلة المصاحبة معهم إلى درجة الدخول فيهم ولعلهم نوع من العلم باللّه ، ذكره في قوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( المجادلة / 11 ) . فالصراط المستقيم أصحابه منعم عليهم بنعمة هي ارفع النعم قدرا ، يربو على نعمة الايمان التام ، وهذا أيضا نعت من نعوت الصراط المستقيم .
ثم إنه تعالى على أنه كرر في كلامه ذكر الصراط والسبيل لم ينسب لنفسه أزيد من صراط مستقيم واحد ، وعد لنفسه سبلا كثيرة فقال عزّ من قائل :
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
( العنكبوت / 69 ) . وكذا لم ينسب الصراط المستقيم إلى أحد من خلقه إلا ما في هذه الآية
( صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ )
الآية ؛ ولكنه نسب السبيل إلى غيره من خلقه ، فقال تعالى :
قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ
( يوسف / 108 ) . وقال تعالى :
سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ
( لقمان / 15 ) . وقال :
سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ
( النساء / 114 ) ، ويعلم منها ان السبيل غير الصراط المستقيم فإنه يختلف ويتعدد ويتكثر باختلاف المتعبدين السالكين سبيل العبادة بخلاف الصراط المستقيم كما يشير اليه قوله تعالى :
قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
( المائدة / 16 ) ، فعدّ السبل كثيرة والصراط واحدا وهذا الصراط المستقيم اما هي السبل الكثيرة واما انها تؤدي اليه باتصال بعضها إلى بعض واتحادها فيها .